فهرس الكتاب

الصفحة 1611 من 2003

لهذا كان عمر بن الخطاب رضيَ الله عنه يقول لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لمّا أمَّره على أحدِ الجيوش الإسلامية: (أمّا بعد: فإنِّي آمرُك ومَن معك من الأجناد بتقوى الله في كلِّ حال، فإنّ تقوى الله أفضلُ العدّة على العدوّ وأقوى المكيدَة على الحرب، وآمرُك ومن مَعك أن تكونوا أشدّ احتراسًا منكم من عدوِّكم، فإنَّ ذنوبَ الجيش أخوفُ عليهم من عدوّهم، وإنّما ينتصِر المسلمون بمعصية عدوّهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوّة؛ لأنَّ عددَنا ليس كعددِهم، وعدّتنا ليست كعدَّتهم، فإن استوينَا في المعصيَة كان لهم الفضل علينا في القوّة، وإن لم نُنْصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوَّتنا، واعلموا أنَّ عليكم في سيركم حفظَةً من الله يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا عدوّنا شرٌّ منّا فلن يسلَّط علينا، فربّ مسلَّط عليهم من هو شرّ منهم) (4) [4] ، ويقول أبو بكر الصديق رضي الله عنه أيضًا للجُند: (إنّكم لن تنتصِروا على عدوِّكم إلا بعدَ تقرّبكم من الله وبُعدِهم عنه، فإذا تساويتم ـ أي: في المعاصي ـ كانت الغلبَة لأكثرِكم عدّةً وعتادًا) انتهى كلامه رحمه الله.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي خلق فسوّى، والذي قدّر فهَدى، أحمده سبحانه وأشكره على نعَمه التي لا تعدّ ولا تُحصَى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العليّ الأعلى، وأشهد أن سيدنا ونبيّنا محمّدًا عبده ورسوله الذي لا ينطِق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أولي الأحلام والنهى.

أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله.

قد تهتزّ بعض النفوس فتستبطئ نصرَ الله وتساوِرها شبهةٌ في خضَمّ الأحداث، يظنّون بالله غيرَ الحق ظنَّ الجاهلية، لماذا يُصابُ الحقّ وينجو الباطِل؟ لماذا لا ينتصِر المسلمون؟! أسئلةٌ تتردَّد في أذهان من لا يفقهون سنّةَ الله تعالى في النّصر والهزيمة، ولا يفقَهون سنتَه في الابتلاء والمِحن، وأنَّ الأمورَ تجري بحِكمةٍ ولحكمة.

منها: أنَّ الله يُملي للباطل والظالم لينال أشدَّ العذاب بالاستحقاق، قال تعالى: وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لأنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًَا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ [آل عمران:178] .

ومِن الحِكَم أنَّ الله يميز الخبيث من الطيِّب، ويعظم الأجرَ لمَن ابتُلي فصبَر كما قال تعالى: مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيّبِ [آل عمران:179] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت