ليس المطروح في مشاريع التطبيع، أن يكون مجرد (مرحلة) من هدنة يقبل بها العرب والمسلمون اضطرارًا بسبب ضعفهم (المؤقت) كما يفهم بعض من يُفتون بجواز التطبيع بعد الصلح مع من يجنح إلى السلم، ولكن المطروح أن يكون هذا التطبيع ذا أثر جذري في تغيير العقليات والنفسيات، حتى تقتنع بعد عجزها وكسرها؛ بتفوق العدو واستحالة قهره مع حسن الظن في «تحسن» خلقه واستمالة قلبه من أجل سلام (دائم وشامل) .
وهنا أمر هام ينبغي التنبه له عند النظر في الفتاوى والأحكام المتعلقة بمعاهدات الصلح واتفاقيات التطبيع، وهو أن هناك فرقًا جوهريًا، بين أحكام الهدنة والصلح التي تحدَّث عنها الفقهاء والتي يمكن أن يضطر إليها المسلمون مع بقاء الأعداء أعداء، والأولياء أولياء، ومع احتفاظ المسلمين بحقهم في الأخذ بأسباب القوة وحرية الاختيار، والاحتفاظ بالخصائص والثوابت والحقوق؛ وبين هذا المصطلح الغريب الجريء الشاذ البشع الذي لم يقره شرع ولم يعرفه عُرف طوال تاريخ هذه الأمة، وهو مصطلح (التطبيع) مع العدو المغتصب مع بقاء عداوته واستمرار اغتصابه.
إن تسويغ ذلك التوجه باسم الدين أو حتى المصلحة، أمر لا يقول به إلا أخرق أحمق أعمى البصيرة، متفلت العقل والعقال؛ فإذا كان التطبيع المطروح تعميمه يرمي في جملته إلى نزع العداء (من جانب واحد) ؛ فإنه يستلزم بداهة نزع السلاح قبل نزع العداء، وخسئ من ادعى أن الله يرضى لنا أن نكون أمة منزوعة السلاح.
من بدهيات الإيمان والأحكام أن تطبيع العلاقة (بمعنى الموالاة والمودة والمحبة وتبادل النصح والنصرة) لا تكون إلا بين المؤمنين؛ فالتطبيع بهذا المعنى مع المؤمنين إيمان، ومع المنافقين نفاق، ومع الظالمين ظلم، ومع الفجار فجور، ومع الكفار كفر... والتطبيع بالمعنى الذي سترد تفاصيله، والذي يجري تفعيله هو في حقيقته ولاية، والولاية لا تجوز إلا لمسلم. قال الله ـ تعالى ـ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ * إن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} [الممتحنة: 1 - 2] .
u عندما يغلب الطبع التطبع... والتطبيع:
باعتبار أن اليهود هم أشد الناس عداوة للذين آمنوا؛ فإن العلاقة معهم ـ كأعداء ـ لا يمكن أن تستوي مع بقية الأعداء، وبخاصة أنهم يجمعون بين طباع الضباع والسباع في خستها ودناءتها، وقسوتها، وهو ما يجعل استقامتهم مستحيلة في التعامل مع البشر؛ فهكذا خُلقوا، وهكذا وُصفوا، وهكذا سيظلون إلى يوم القيامة: فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ