لكل هذا وغيره كان التنويع بين الحرب والتطبيع لدى اليهود حلمًا فخاطرًا فاحتمالًا، ثم أضحى حقيقة لا خيالًا، وقد تنوعت أشكال هذا التطبيع، وتعددت من ثَمَّ مخاطره، وأخذت ألوانًا سياسية ودبلوماسية واقتصادية وثقافية وتعليمية وإعلامية وأيضًا... أمنية.
u وأخطرها: التطبيع السياسي والدبلوماسي:
وهو أخطرها لأنه البوابة الرئيسة التي تلج منها بقية الأنواع؛ فعندما يمارس الكبراء والزعماء التطبيع تحت سمع الميكروفونات وبصر الكاميرات، فإنهم بذلك يقصون شريط الافتتاح أو يطلقون رصاصة البدء، وعندها تغدو العقول مشدودة مشدوهة لفهم ما يجري، ثم يتتابع انفراط العقد المنظوم؛ حيث لا تكتفي الحكومات بأن يقتصر التطبيع عليها، فينحصر العار فيها، بل هي تستخدم كل قواها لتصوير التطبيع على أنه (إرادة الأمة) و (مطلب الشعب) و (مصير الجماهير) ! وأن معارضيه مجرد «زمرة» غير مسؤولة، أو «شرذمة» ذات عقلية غير ناضجة، وتبدأ حملات التعاون الإعلامي والأمني لإثبات أن القرار التاريخي ـ للزعيم ـ هو الخيار الاستراتيجي للأمة، وأن هذا القرار هو رأس الحكمة، وعين الصواب، والفراسة التي سبقت عصرها!
إزالة الحواجز ـ بالتطبيع ـ تبدأ أولًا على مستوى السياسيين والدبلوماسيين؛ فالتطبيع السياسي يبدأ باتصالات سرية، ثم مصافحات خجولة علنية، ثم لقاءات وجلسات تعقبها مباحثات لإبرام المعاهدات الشاملة لبقية أنواع التطبيع، والبداية دائمًا على يد وسطاء مشبوهين، يجمعون بين رأسين في (الحرام السياسي) .
تفيض مذكرات واعترافات من شاركوا في مثل هذه المفاوضات، أن البداية المتعمدة دائمًا في اللقاءات، كانت تقصد إلى ما يسمى: (إزالة الحواجز النفسية) أو قل رفع الحياء بين المسؤولين من الطرفين، حيث يجلسون سويًا على «مائدة عمل» يتبادلون خلالها الطعام، والكلام والابتسام، وربما النكات و (القفشات) ، وسط أنخاب (الصداقة) الجديدة الجريئة التي تزيح الرواسب و (العقد) وتريح النفوس من هواجس العداوات (المصطنعة) والأحقاد (التاريخية) التي عفى عليها الزمن! ولا بأس بعد ذلك من مسامرات وسهرات وزيارات وجلسات ـ ربما تكون عائلية ـ مع شيء من المباريات الرياضية، والحفلات الفنية... حتى يتروض المتفاوضون السياسيون (نفسيًا) على وضع طبيعي، أو تطبيعي، يجعل كلًا منهما (يتفهم) الآخر، ويكون أكثر (لينًا) وأكبر (عقلًا) وأقدر على (العطاء!) (1) .
ولا غرابة بعد هذا أن تجد هذا السياسي العربي «المكافح والمناضل» ، وقد تذلل لسانه بعبارات من قبيل (حق اليهود في الوجود) ، (إسرائيل وُجدت لتبقى) ، (حتمية الخيار السلمي) ، (عقلانية القبول بالواقع) و (ضرورة الاعتراف بالآخر) ... مع أن هذا «المهذب» سرعان ما يتحول إلى مخلوق آخر،