فهرس الكتاب

الصفحة 1631 من 2003

بكل خصوصياتهم، وحرصهم في الوقت نفسه على تمييع خصوصيات من حولهم، حيث يكون هذا التمييع هو جوهر التطبيع.

-إذا كانت الحروب الساخنة هي أقصر الطرق للسيطرة على الأرض؛ فإن الحروب الساكنة هي أضمن الطرق للهيمنة والاستحواذ على ما فوق هذه الأرض، والتطبيع ـ على النمط الإسرائيلي ـ هو الوسيلة المثلى في ذلك؛ لأنه يقرِّب من القدرة على الاختراق في الجوانب السياسية والاقتصادية والثقافية والتعليمية والإعلامية والأمنية.

-اليهود رغم شدة بطشهم عند القدرة، هم قوم جبناء، يسكنهم الرعب الدائم والذعر المزمن الذي ينتاب السرَّاق والمجرمين المطاردين، والتطبيع هو طريقهم الوحيد للتخلص من هذا الكابوس، عندما يوقِّع لهم زعماء المنطقة تباعًا أنهم لن يحاربوهم وإنما سيحاربون من يحاربهم، ولهذا فإن البنود الأمنية هي أهم بنود كل الاتفاقيات السابقة للتطبيع، وأهم موضوعات المفاوضة والمقايضة في السنوات الأخيرة حتى كادت القضية كلها أن تكون قضية أمنية، لا تتباحث بشأنها إلا أجهزة المخابرات.

-مجموعة المفاهيم الإسلامية التي تدفع إلى استمرار روح المدافعة لدى العرب والمسلمين، مثل حب الجهاد والرغبة في الاستشهاد، وافتداء الدين والأرض والعرض.. كل ذلك يؤرق أحلام اليهود، ولا بديل عندهم من محاولة خلخلة تلك المفاهيم، مع السعي لإزالة ما ترسخ في الوجدان العربي والإسلامي من اعتبار اليهود أشد الأعداء، الذين يهددون أقدس المقدسات ويتجاوزون كل المحرمات.

-والعدو دائمًا يحتاج إلى آلية، لتوظيف قطار المنافقين بين صفوف المسلمين، واستثمار نشاط المفسدين والجواسيس والخونة، على أيدي عناصر الاختراق التابعة له أو المتعاونة معه، ولا آلية أنسب لذلك من التطبيع.

-وإذا كان تقسيم البلدان العربية المحيطة بإسرائيل هدفًا يطول وقت الوصول إليه، فلا أقل من التعجيل بتقسيم مواقف تلك البلدان، وتجزئة جبهاتها، بحيث ينفرد العدو بكل طرف في مسار منفرد، ودهاليز خاصة، محجوب بعضها عن بعض بأسوار من الجدار العازل للثقة، والحاجب للبصيرة، ولهذا تكررت مهازل (الصلح المنفرد) فانفردت السياسة المصرية بعد كامب ديفيد، ثم انفردت منظمة التحرير للوصول إلى أوسلو، وانفردت الأردن لإبرام (وادي عربة) ، ثم اشترط الإسرائيليون على السوريين واللبنانيين أن يدخلوا في مسارات منفردة.

-ولعل من أخطر أهداف التطبيع ـ إضافة إلى ما سبق ـ حرص اليهود على إلجاء العناصر الفاعلة في الأمة ـ وعلى رأسهم الإسلاميون ـ إلى التسليم بالعجز، والاقتناع بالانصراف إلى معارك أخرى غير المعركة الكبرى، التي شرع الجميع ـ إلا من رحم الله ـ يتسللون عنها لِواذًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت