من كامب ديفيد الأولى وحتى شرم الشيخ الأخيرة، فقد درجت الولايات المتحدة على أنها كلما صُفع العرب صفعة حرب، أتبعتها بصفقة سلام حقيقته استسلام، هكذا فعلت بعد حرب أكتوبر والثغرة وفك الارتباط (كامب ديفيد) وبعد حرب لبنان (اتفاق 17 مايو) وبعد حرب الخليج الثانية (مؤتمر مدريد ثم أوسلو ثم وادي عربة) . وها هي بعد حرب الخليج الثالثة تطمع بالتنسيق مع (إسرائيل) ، في حشد بقية الدول العربية وحشرها في سلك السلام... سلام (إسرائيل) .
وقد اتضح بعد غزو العراق أن أمن (إسرائيل) كان يشغل أكبر هواجس أمريكا؛ حيث شرعت بعده مباشرة في الحديث عن مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي يهدف إلى جعل إسرائيل جزءًا من المنطقة، ليتطابق ذلك مع مشروع الشرق أوسطية لبيريز، ولتتحول هذه المنطقة الشاسعة المحيطة بـ (إسرائيل) بعد تطويقها وتطبيعها، إلى فِناء فارغ لفضاء آمن، ولهذا سارعت أمريكا بشكل متسرع إلى الدعوة إلى برامج جديدة للتغيير» و «الإصلاح» الأمريكي الذي يستهدف إضعاف ما تبقى من مناعة الأمة ضد أي اختراق ثقافي أو حضاري أو سياسي أو اقتصادي.
لا نبالغ إن قلنا إن الوجه المدني من الحرب الأمريكية على ما تسميه بـ (الإرهاب) هو في حقيقتة نوع من تطبيع الهزيمة، وفرض التعايش السلمي معها، لا بحسابات السنين والأعوام، ولكن بحسابات الأحقاب والأجيال، ولهذا سارع شارون ببسط يده الحمراء ليضعها في يد بوش الغبراء، مبايعًا إياه على النصرة والشراكة في تلك الحرب المصيرية الشاملة.
أما الشعوب العربية والإسلامية في وسط كل هذا؛ فهي غير معنية ـ إذا خُيِّرت ـ بذلك التطبيع، ولو أجريت استفتاءات محايدة لتبين أن جُل الأمة تلعن كل سياسة تقرب من اليهود باعًا أو ذراعًا، في أي مجال من المجالات، وهنا ندرك عمق الهوة بين هوية الأمة وأهواء كثير من حكامها. ولكن نستطيع أن نقول: إن تلك الأهواء مهما كان وراءها من دوافع ترغيب أو ترهيب، فإنها لا تلزم الشعوب؛ حيث إنه من الممكن أن تصمد تلك الشعوب أمام الترهيب وترغب عن الترغيب، لأنها تملك مساحة أوسع للتحرك، وحرية أكبر في القبول أو الرفض؛ ولذلك فإن استراتيجية المقاطعة التي تقاطعها الأنظمة الآن تباعًا، يمكن أن تُبقي عليها الشعوب وتفعِّلها في جميع أوجهها الثقافية والاقتصادية والتعليمية والإعلامية لتهزم التطبيع وتحول دون تطبيع الهزيمة، وبخاصة إذا كان في طليعة مقاومة الهزيمة ومقاطعة التطبيع وجهاءُ الأمة وعلماؤها ورموز الدعوة والحركة فيها على أن تكون لهم منطلقاتهم وبرامجهم ووسائلهم الواضحة، ونقترح منها ما يلي:
-نفض اليد من قيام الجهات الرسمية العربية بدور فاعل في مناهضة التطبيع، والاعتماد ـ بعد الله تعالى ـ على استنهاض أخص خصائص الأمة الخيرية، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، للوقوف في وجه هذا المنكر المتعدد الوجوه: التطبيع.