وما ذكره ابن خلدون عن تقليد المغلوب للغالب ليس قاعدة مطردة؛ فهناك من غلب واستولى عدوه على أرضه، ومع ذلك بقي معتزًا بدينه وقيمه ونفسه، ولم يقلد من غلبه؛ فالمسلمون لما هزمهم التتار، وجدنا الغالب هو الذي قلد المغلوب ودخل في دينه. وفي العصر الحاضر نرى إخواننا في فلسطين معتزين بإيمانهم محافظين على عقيدتهم، يشعرون بتميزهم عن عدوهم الغالب الجاثم على أرضهم.
بعد هذه المقدمة أقول: يظهر لي أن للهزيمة النفسية صورتين:
1 -هزيمة الذات أمام المبدأ؛ حيث لا يستطيع الفرد تحمُّل تبعة المبدأ ودفع ثمنه فيتخلى عنه، إما للحصول على مكسب دنيوي، أو الخلاص من أذى يلحقه بسبب مبدئه.
2 -هزيمة المبدأ أمام الواقع؛ حيث يكتشف الشخص أن المبادئ التي يحملها عاجزة عن إحداث تغيير أو إصلاح في الواقع، فيتخلى عنها بحثًا عن مبدأ آخر، وقد لا يكون في هذا الجانب هزيمة نفسية واضحة؛ لأن منه ما هو هزيمة، ومنه ما ليس كذلك. وينبغي ملاحظة أن مصطلح الهزيمة مصطلح فضفاض كمصطلح الصحوة الذي سأتحدث عنه؛ فهناك فتور يمكن أن تلحقه بالهزيمة، وهناك انشقاق في الصف يمكن أن تلحقه بالهزيمة، وهناك الاجتهاد في التأول، وفي تطويع المبدأ للواقع الذي يتداخل أحيانًا مع الهزيمة النفسية وأحيانًا مع الاجتهاد.
وسواء قلنا إن الصحوة تعاني من الهزيمة النفسية أم لا تعاني منها، فلا بد من تحديد المراد بالصحوة الإسلامية.
تيار الصحوة الإسلامية في نظري لم يعد محدودًا بمجتمع معين، أو أفراد محدودين، أو جماعة أو تنظيم أو حزب، بل أصبح تيارًا واسعًا، ودخل تحت هذا التيار كل من رفع الإسلام شعارًا للحياة، ونحن نعلم أن ممن رفع الإسلام شعارًا للحياة من كان على سنن صحيحة، وطريقة سديدة، ومن رفعه وهو ليس كذلك، بل هناك من رفعه نتيجة انهزام في مبدأ سابق، مثل: بعض القوميين، وبعض العلمانيين الذين انهزمت أفكارهم فرفعوا الشعار الإسلامي، ولكنهم يريدون الإسلام الذي في أذهانهم، وليس الإسلام المنزل على محمد.
وهؤلاء في نظري يعيشون حالة من الهزيمة النفسية، وفيما رفعوه يحدث خللًا داخل الصف الإسلامي، والصحوة الإسلامية.
إذن تيار الصحوة الإسلامية تيار واسع، ويمكن أن نقول: إن الصحوة بمجملها لا تعاني من هزيمة نفسية، لكن يمكن أن نلاحظ عند بعض قطاعاتها وعند بعض الأفراد ـ وهم ليسوا قليلين ـ هزيمة نفسية بناءً على ما ذكرته عن صور الهزيمة. وهذه ليست ظاهرة عامة شاملة، بل ظاهرة جزئية، ولا يمكن تعميمها على تيار الصحوة بكامله. ولعل مما يساعد في انتشار الهزيمة النفسية أو مما يفضي إليها ما ذكره الدكتور عبد الرحمن مما سماه بـ (الارتباك الفكري) . الصحوة الإسلامية كانت في وقت من الأوقات تعيش مرحلة العاطفة، ومخاطبة الفرد في صلاح نفسه، ثم انتقلت إلى مواجهة الواقع بتقديم