زيد! إن الله جاعلٌ لما ترى فرجًا ومخرجًا، وإن الله ناصرٌ دينه ومظهرٌ نبيه» فبدل بقوله هذا ما أحسه زيد من انكسار وقلة حيلة وهو يرى نبي الله وأباه بالتبني ـ قبل أن يحرّم ـ يُسَبُّ ويرمى بالحجارة، إلى أمل وإيمان بنصر عزيز من لدن حكيم خبير. وحين هاجر المسلمون من مكة إلى المدينة تاركين وراءهم أموالهم وديارهم وحياتهم بجوار بيت الله الحرام بعد أن سلبتهم قريش كل شيء مقابل خروجهم سالمين؛ كانوا وقتها يشعرون بالظلم القاهر لما اضطروا إليه فرارًا من أذى قريش الذي أرهق أرواحهم قبل أجسادهم، وكانوا موقنين أنهم على الحق، لكنَّ تأخُّر النصر يؤلمهم ويقض مضجعهم. كانوا يتحرقون شوقًا لأن يسترجعوا حقوقهم المسلوبة وكرامتهم المنهوبة؛ فلم يتركهم الله ورسوله لهذا الشعور لكي يتغذى على نفوسهم وإيمانهم فيستسلموا له، بل نزلت الآيات الكريمة بالإذن بالقتال: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإنَّ اللَّهَ عَلَي نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39] .
فكانت السرايا والغزوات التي أعطتهم الدفعة نحو الأمام والثقة بأنهم قادرون على الانتصار بإذن الله؛ لا يفت في عضدهم قصور في العدة أو العدد؛ مثل سرية سِيف البحر ورابغ والحزار، وغزوة الأبواء وبواط وسفوان، وغزوة ذي العشيرة، وسرية نخلة.. تلك السرايا والغزوات لم تكن إلا لرد كرامة المسلمين الذين لم يقترفوا ما يدعو إلى إيذائهم والاعتداء عليهم إلا أنهم اختاروا الله الواحد الأحد، فباعوا له أموالهم وأنفسهم، ونصروه ولم يستسلموا للتخذيل الهدام الذي كان يبثه المنافقون في نفوسهم؛ فلما أبوا الاستسلام ونصروا ربهم نصرَهم نصرًا عزيزًا مؤزرًا بعد سنوات من العذاب والصبر والتحمل.
أما ما حدث بعد الهزيمة النفسية المؤلمة التي تعرض لها المسلمون في أُحُد فهو الدرس الواضح الصريح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه في استراتيجية مقاومة وتقزيم الهزيمة؛ فقد أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - المسلمين الذين شهدوا معركة أحد والمثخنين بالجراح والأحزان صباح الغد من الهزيمة بالخروج ليطاردوا فلول الكفار العائدين بنصرهم المؤقت؛ فرحين يخططون لإعادة الكرَّة للإغارة على المدينة المنورة ليفتكوا بالمسلمين وهم بعدُ لم يخرجوا من روح هزيمتهم، فهبُّوا سمعًا وطاعة لرسولهم الصادق الأمين - صلى الله عليه وسلم - ، وعسكروا بحمراء الأسد على بُعد أميال من جيوش الكفار؛ مما جعل المشركين يفرون خوفًا منهم ومن سرعة قيام قائمتهم، وخاصة بعد أن خذّلهم معبد بن أبي معبد الخزاعي بإيعاز من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن اسلم وأدى واجبه في إكمال الحرب النفسية على الكفار والمشركين، وعاد المسلمون دون أن يمس أحدَهم سوء؛ وشعورُ النصر والقوة يملؤهم ويدفعهم دفعة جديدة بعد أن كادوا يركنون إلى إحساس الفشل والألم والحسرة.
هذا ما علَّمناه رسولنا الأمين - صلى الله عليه وسلم - . وإننا نرى اليوم الحرب النفسية على المسلمين؛ فحين تتوالى الأخبار عن هزيمة العدوان في العراق وأفغانستان أو غيرهما من بلاد المسلمين