السياسية فهي الآن مدركة تمامًا أنها لم تعد قادرة على الانفراد بالقرار الدولي مثلما فعلت إبّان غزو العراق.
لقد أغرى هذا التخبط الامريكي كثيرًا من الدول سواء منها الكبرى أو الإقليمية على استغلال الثغرات للظهور على مسرح الأحداث كلاعبين بدلاء لهذا اللاعب الوحيد الذي بدا عليه التعب والإعياء؛ حيث لم تكن حسابات من خططوا له على درجة عالية من الدقة ومعرفة وثيقة بما سيجري على أرض الواقع من تقلبات.
ولتفادي هذه التداعيات عمدت الإدارة الأمريكية ممثلة بصقورها الذين يعشقون الدم إلى الترويج لمؤتمر تارة يسمونه إقليميًا؛ لأنه سيشمل سورية وإيران، وأخرى يطلقون عليه صفة الدولية، غير أن الحقيقة التي يجب أن لا تغيب عن المتحاورين أو المؤتمرين وتحت أي سقف هي أن أمريكا لن ترضى في حواراتها ومؤتمراتها إلا بالحل الذي يؤكد سيطرتها وينتشلها من السقوط في الهاوية.
إنَّ اشتعال المنطقة بحرائق الديمقراطية الأمريكية المصدرة عبر بوابة خريطة الطريق وخريطة الشرق الأوسط الجديد أو الكبير دعت أمريكا هذه المرة إلى معالجات، ولكن المتابع للسياسة الأمريكية يرى أنها تقف كثيرًا عند عوارض المشكلات، وتُعنى بمعالجتها متناسية أو متجاهلة الأسباب التي أفرزت هذه العوارض؛ فهي تعالج نتائج سياستها الهوجاء لا أسبابها.
وبعد كل ذلك: على السياسيين ـ وخاصة من تورط ممن يحسب على أهل السنة، إن كانوا كما يدَّعون انهم شاركوا لمصلحة أهلهم ووحدة العراق ـ أن يعترفوا صراحة بفشل المشروع السياسي الذي كانوا ولا يزالون جزءًا منه؛ لأنَّ انسحابهم اليوم ـ قبل غد ـ من عملية كُتِبَ لها الفشل بعد أن مضى عليها أربع سنين يحسب لهم قبل فوات الفرصة؛ وذلك لسبيين:
أولهما: أنهم سيكونون عندئذٍ ضمن الصف الوطني الذي نأى بنفسه عن أن يكون ضحية عمليةٍ سياسية تمتاز بالظلمة والمصير المجهول، بسبب السياسة الهوجاء للمحتل.
وثانيهما: لأن انسحابهم اليوم يعدُّ الحلقة الأخيرة من فصل المهزلة السياسية الجارية الآن في العراق، وهو بمنزلة النزع الأخير لكل متهالك متعاون مع المحتل وأذنابه؛ ومن عاند منهم وأبى الإنابة وارتضى أن يستمر في طريق مشروع الاحتلال فإنَّ عليه أن يكف لسانه عن مكونات المشروع الوطني العراقي الأصيل من هيئات ومنظمات وتجمعات وفصائل جهادية وغيرها؛ فإنَّ التاريخ يسير وهو يسجل كل موقف وكلمة، وقد علمتنا الدنيا أنها يوم لك ويوم عليك.
إنَّ المواقف غير المسؤولة التي يقوم بها بعض الساسة ممن يُحسَبون على السنَّة ضد القوى الوطنية المشرفة المناهضة للاحتلال، ستقدم حبل النجاة لأعداء الله والوطن من المحتلين وأعوانهم؛ في الوقت الذي نشاهد فيه عدونا وقد توجه نحو الاندحار وهو على وشك السقوط المدوي الذي سيهوي به في قعر الهزيمة والشنار.