أول عرض من هذه الأعراض الواقع الأليم واليأس من إمكانية التغيير، أنا لا أجهل الواقع الذى تحياه أمتنا الآن لكن الذى يؤلم القلب أن كثيرًا من المسلمين قد هبت عليهم رياح عاتية من القنوط واليأس وهزموا هزيمة نفسية أمام هذا الواقع حتى راحت هذه الهزيمة النفسية تمثل معتقدًا جديدًا عند الكثيرين ممن صاروا يرددون هذه الكلمات التى تقول: لا فائدة أنت تؤذن في خرابة، أنت تصرخ في صحراء مقفرة، أنت تنفخ في قربة مقطوعة (عش عصرك) رب أولادك، لن يسمعك أحد لن تغير شيئًا دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله بل ومنهم من يقول دع ما لله لقيصر.
لقد أسمعت لو ناديت حيا... ولكن لا حياة لمن تنادي
ولو نارا نفخت بها أضاءت ولكن أنت تنفسخ في رماد
وقد وصف الصادق الذى لا ينطق عن الهوى هذه النفسية المهزومة وصفًا دقيقًا كما في صحيح مسلم من حديث أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم"( [1] ) وفى"
لفظ:"فهو أهلكهك"بالضم والفتح والضم أشهر كما قال النووى: فهو أهلكهم أى: حكم عليهم بالهلاك.. وقد اتفق أهل العلم أن من قال ذلك على سبيل الإزدارء والتحقير فهو مذموم، أما من قال ذلك على سبيل أنه ينظر تقصيرًا في نفسه وعند إخوانه وهو يقول ذلك من باب أنه يحفز الهمم للعمل بدين الله تبارك وتعالى فهذا لا بأس به ، لكن الهزيمة النفسية التى صارت تمثل معتقدًا عند الكثيرين الآن من يقولون: إن هذا الواقع لا يمكن أبدًا أن يتغير هذا عرض خطير.
العرض الثانى: بإيجاز شديد، لأن المحاضرة طويلة، العرض الثانى من أعراض هذه الهزيمة النفسية السلبية الشديدة عند كثير من المسلمين وذلك من منطلق مقلوب لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (105) سورة المائدة وقديمًا خشى الصديق رضى الله عنه هذا الفهم المقلوب للآية فارتقى المنبر وقال: أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها فإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه يوشك الله أن يعمهم جميعًا بعقاب من عنده".. وفى لفظ"ثم يدعونه فلا يستجاب لهم". ( [2] ) والحديث رواه أحمد والترمذى وغيرهما بسند صحيح صار المسلم الآن ينظر إلى الباطل وإلى المنكرات تصبح بها مجتمعات المسلمين فيهز كتفيه ويمضى كأن الأمر لا يعنيه لا من قريب ولا من عبيد مع أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر هو القطب الأعظم في هذا الدين وهو شرط من شروط خيرية أمة سيد المرسلين: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ } (110) سورة آل عمران وفى صحيح البخارى من حديث عبد الله بن عمرو أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:"بلغوا عنى ولو آية" ( [3] ) ... وفى صحيح مسلم من حديث عبد الله بن مسعود رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:"ما"