فهرس الكتاب

الصفحة 1787 من 2003

لكن الأمر سيختلف، والمنطق سيتعقد، والحسابات سترتبك، إذا ما تغيرت معالم المواجهة في الميدان العراقي بعد الانسحاب الأمريكي، سواء بفعل الأمريكيين الراغبين في إغراق أو إحراق العراق من بعدهم، أو بفعل الفرقاء المتشاكسين الذين سيحاول كل منهم أن يؤسس لواقع جديد، يخدم الشريحة التابعة له، ولهذا فإن ألوانًا جديدة من التحديات على الساحة العراقية، ربما يتوالى ظهورها على مسرح الأحداث هناك، وهو ما يستدعي إعادة النظر في بعض الاجتهادات وربما الاستراتيجيات لمواجهة هذه المتغيرات بما يحفظ ما تحقق من مكاسب على صعيد المواجهة الكبرى مع أمريكا.

ومن التحديات المتوقع بروزها على المستوى العراقي ما يأتي:

* سيرحل الأمريكيون دون أن تكون مشكلات العراق قد حُلَّت، والمرجح أن يستمر التوتر وربما القتال لإعادة رسم الخريطة الجديدة، والتحدي الذي سيواجه أهل السنة بعد الانسحاب، سيكون ـ على الأرجح ـ متعدد الأوجه، فمن ناحية سيكتشف أهل السنة أنهم الحلقة الأضعف على الساحة السياسية، بينما تكمن قوتهم في ميدان القدرة القتالية، وهي لا تكفي على كل حال لبناء مستقبل آمن للأجيال، ومن ناحية أخرى فإن أمور القتال نفسها تميل الطبيعة البشرية إلى النفور من طول التضحية فيها بلا أفق منظور، ومن ناحية ثالثة فإن طبيعة القتال بعد انسحاب الأمريكيين ستتغير، وسوف تفقد الكثير من شرعيتها في نظر الناس داخل العراق وخارجه، حتى ولو كانت ضد الوكلاء الرسميين للأمريكيين.

* هناك ندرة ملحوظة في المرجعيات العلمية الدينية عند أهل السنة في العراق في مقابل فائض كبير في المرجعيات الدينية الشيعية داخل العراق وخارجه، ومع تداعيات الأحداث بعد الانسحاب، وفي ظل تغير الأوراق سيحتاج العراقيون السنة إلى من يقودهم في الملمات، ويفتي لهم في المعضلات، ويتكلم باسمهم جميعًا كلامًا مفهومًا ومسؤولًا، وهذا تحدٍّ ماثلٌ للعيان من الآن، ويتفرع عنه تحد آخر، وهي احتمالات انتشار أفكار الغلو والابتداع، سواء من جهة التشدد الخارجي، أو التسيب الإرجائي أو لوثات التصوف أو التشيع، وكلها اتجاهات يمكن أن تنتعش وتنتشر في بيئة فكرية كبيئة العراق، التي لا تزال بكرًا عذراء على الساحة السنية، بينما هي ثيب شمطاء على الساحة الشيعية، ولا شك أن الفوضى وعدم الاستقرار من الناحية السياسية، كثيرًا ما ينعكس على النواحي الفكرية.

* هناك تضخم في الخبرة القتالية والعسكرية الميدانية على حساب الخبرات السياسية والاستراتيجية، والمشروع السياسي للمجاهدين لا يزال غير واضح المعالم، وإذا وضح عند بعضٍ فإن بعضًا آخر قد لا يوافق عليه، والخطورة هنا أن ينعكس هذا الضعف في الخبرة على التعاطي مع الأحداث، فتنطلق المبادرات، والاجتهادات الشخصية في النوازل الكبرى، دون الرجوع إلى أهل الشأن في مجالات الاجتهاد الشرعي والسياسي والاستراتيجي والإعلامي والاقتصادي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت