أيضًا لفت نظري في سورة القصص قوله - تعالى - والخطاب لموسى وهارون - عليهما السلام: {قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ} [القصص: 35] ، بعد ذلك جاءت قضية السحرة؛ والقول الراجح أن فرعون قتلهم ومع ذلك فإن الله - سبحانه وتعالى - قال: {أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ} ، والسحرة ممن اتبع موسى وهارون؛ إذن وهم قتلوا فأين الغلبة؟ الغلبة أنهم ثبتوا عندما هددهم فرعون بالقتل، وكان جوابهم له كما في سورة الشعراء، وطه: {قَالُوا لا ضَيْرَ إنَّا إلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ} [الشعراء: 50] ، وأيضًا في السورة الأخرى: {قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [طه: 72] .
كل الآيات تدل على أنهم ثبتوا على منهجهم إلى آخر لحظة، سواء أكان فرعون نفذ تهديده أم على القول الآخر أنه لم ينفذ، لكن الراجح أنه نفذ، وهذا الذي يدل عليه سياق الآيات، ومع ذلك ثبتوا، ولهذا يعتبر هذا انتصارًا عظيمًا كما قال - تعالى: {أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ} [القصص: 35] ؛ فهذه هي الغلبة في الحقيقة.
على مدار التاريخ نجد أن حاكمًا أو غيره يقتل مصلحًا لكن القاتل يشعر في داخله أنه هو المغلوب، ويشعر أن المقتول هو المنتصر، وأقوى دليل على ذلك قصة أصحاب الأخدود أنهم كلهم قتلوا ومع ذلك فهذا انتصار عظيم: {ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ} [البروج: 11] .
لو أننا تعاملنا مع هذه الحقائق لما كان لليأس مكان. إذن التفاؤل الإيجابي هو تفاؤل النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث كان يربي في أصحابه التفاؤل، لكنه كان يعمل، وكان يجتهد، وكان يستحثهم على العمل والإنجاز.
هنا أختم بكلمة: لا أعرف فترة خلال السنوات الماضية مرت بها الصحوة من الانتشار والقوة والمكانة والتمكن كما هي اليوم، ومع ذلك لو أن كل واحد من هؤلاء الدعاة أو كل مجموعة دعوية قامت بمشروع إيجابي عملي لتغير واقع الأمر لانتصرت الأمة، لكن مع الأسف نميل للنقاش والجدال والخصومة وخدمة الأعداء من حيث لا نشعر.
وأخيرًا: وجدت تلازمًا بين تفاؤل النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين اشتداد الأزمة؛ فإذا اشتدت الأزمة على محمد - صلى الله عليه وسلم - وجدنا أنه أكثر الناس تفاؤلًا، وهذا واضح في كل سيرته، بل وجدت في القرآن تلازمًا بين الشدة والفرج، والعسر واليسر. إذن فالشدة التي يجدها بعضهم طريقًا للهزيمة النفسية، أو دليلًا عليها، اعتبرها من أكبر أدلة التفاؤل؟ لأن الانتصار يأتي بعدها إذا أخذت الأمة بأسبابه، وكانت إيجابية، وكانت عملية، ولا أشك في تحقق هذا، وأقوى مثال عندي قضية فلسطين؛ فلو خُلّي بين الأمة وبين عدوها في فلسطين ما لبث اليهود إلاَّ قليلًا، هذه قناعتي، لكن مع الأسف الواقع غير ذلك.