فهرس الكتاب

الصفحة 1864 من 2003

بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ [فصلت: 23] ، وقال - تعالى: {وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا} [الفتح: 12] .

ولذلك لو أن الناس تلافوا الأسباب التي هم واقعون فيها واجتهدوا في هذا الأمر؛ فإن النصر سيكون أقرب مما يتصورون. قد يقول قائل: الناس الآن لم يتلافوا هذا الأمر؛ فمعناه أن الهزيمة قد وقعت. هذا غير صحيح، بل الانتصار قائم الآن ولله الحمد، والمناطق الساخنة في العالم مثل فلسطين، العراق، الشيشان، نموذج لذلك.

إذن نحن نتعامل مع نصوص الوحي ونتعامل مع الأسس والقواعد والسنن الكونية، ولا نتعامل فقط مع مجرد الحدث اليومي، مع أهمية مراعاة الحدث اليومي؛ فقد جعل الله - جل وعلا - له أساسًا في الانتصار. قال - تعالى: {الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 66] ، ولكن يراعى في حدود، ولكن لا يعني الاستسلام كما قال - تعالى: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249] .

البيان: لكن هل هناك مؤشرات حقيقية لهذا التفاؤل. نحن نؤمن بأن النصر قادم وبأن العاقبة للمتقين، لكن هل يمكن أن يتحول هذا الفأل الحسن إلى واقع تعيشه الأمة؟

* د. ناصر العمر: نعم! يمكن، بل هذا هو الذي يجب أن يكون، وهذا دائمًا أطرحه باسم التفاؤل الإيجابي، وهو أن يتحول التفاؤل الذي تطرحه الألسنة وتتلقاه الأسماع والقلوب إلى برامج عملية، مع ما أشرت إليه سابقًا بعدم الاستسلام للهزيمة مهما كانت النتائج.

التفاؤل الإيجابي ليس تحقيقه مرتبطًا بتحقق النتائج المباشرة؛ إنما يتحقق بإيجاد التفاؤل الإيجابي الدافع للعطاء، وبهذه المناسبة أوضح هذا المفهوم؛ لأن بعضًا قد أخطأ في فهمه للتفاؤل. فالتفاؤل هو مقدار تحقق التزام الدعاة بالمنهج الذي أنزله الله - سبحانه - سواء التزم به الناس أو لم يلتزموا؛ فثبات الدعاة وثبات المصلحين على مناهجهم مهما كان الأمر يعتبر انتصارًا، وأعطي دليلًا يؤكد هذه الحقيقة؛ فقد بينت قبل سنوات في كتاب (حقيقة الانتصار) أن الله - جل وعلا - قال: {إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} [غافر: 51] ؛ فبعض الأنبياء كما في الحديث الصحيح لم يؤمن معه أحد، وبعضهم آمن معه رجل واحد فقط، مع أن الله - تعالى - قال: {إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} [غافر: 51] ، ليس فقط في الآخرة ويوم يقوم الأشهاد، بل في الدنيا. إذن مفهوم النصر والهزيمة في أذهان كثير من الناس خطأ، لأنه يتعامل مع الواقع المادي فقط، وهذا خطأ، والصواب أن ثبات الداعية وثبات النبي والرسول وثبات المصلح والمجدد على مبدئه ومنهجه هو الانتصار بذاته، وهو أعظم الانتصارات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت