إن الإنسان المهزوم هو الذي يسلم قياده لهزيمته ويرتاح بطريقة أو بأخرى في كنف (عدم استطاعة) وفي أغلال (فقدان المقدرة) على تغيير الواقع والعمل على خلق غدٍ أفضل بإذن الله؛ وهو الذي يركز على الجانب السلبي للفشل ولا ينظر إليه بمنظار مختلف وناحية مغايرة للانكسارية والتيه والضياع.
لقد أدرك الغرب المناوئ للإسلام وأمريكا سيدة مشروع (القرن الأمريكي الجديد) هذا الأمر، وفهمت أن سحق أي أمة لا يأتي إلا من داخل قلوب أبنائها وعقولهم قبل أن يكون جهادًا بالسلاح، ومن ثَم فقد عملت على تأكيد هذا السحق وتعميقه حتى تبدد أي أمل في النصر القادم الذي وعدنا به رب العزة تبارك وتعالى، وكذلك حتى تنسى الأمة نهج رسولها - صلى الله عليه وسلم - واستراتيجياته في معالجة الهزائم وتحويلها إلى بدايات لانتصارات جديدة حين يتكالب الطغاة والبغاة على الأمة تكالب الأكلة على قصعتها. وها هو - صلى الله عليه وسلم -، في بداية رسالته ونزول الوحي، عندما أتاه خبَّاب بن الأرتّ - رضي الله عنه - وهو متوسد بُرْدَه في ظل الكعبة وقال له: ألا تدعو الله؟! فقعد - صلى الله عليه وسلم - وهو محمرُّ الوجه، ثم قال: «لقد كان مَنْ قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله ـ زاد بيان الراوي ـ: والذئب على غنمه» وفي رواية: «ولكنكم تستعجلون» .
كان المسلمون آنذاك في أوج هزيمتهم النفسية، يسامون سوء العذاب ليل نهار، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبشرهم بالنصر والتمكين؛ بيد أنه حين رأى أن نفوسهم قد دخلت إلى منعطف الاستسلام لانكسارهم واليأس من حاضرهم أمدهم بجرعة أمل منبعثة من أعماق الإيمان برسالته؛ وكأنه يقول لهم قول الله ـ - تعالى -ـ: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ} . فالضعف لا يزيد الإنسان إلا خسارًا وترهلًا نفسيًا لا يؤهله لأن تقوم له قائمة، أو تبزغ له شمس.
وحين ذهب - صلى الله عليه وسلم - إلى الطائف ولقي ما لقي من الأذى والعنت والسخرية اضطر للعودة إلى مكة مرة أخرى واستئناف ما بدأه هناك، فقال له زيد بن حارثة الذي كان يصحبه في رحلته تلك: كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك (يعني قريشًا) ؟ فقال - صلى الله عليه وسلم: «يا زيد! إن الله جاعلٌ لما ترى فرجًا ومخرجًا، وإن الله ناصرٌ دينه ومظهرٌ نبيه» فبدل بقوله هذا ما أحسه زيد من انكسار وقلة حيلة وهو يرى نبي الله وأباه بالتبني ـ قبل أن يحرّم ـ يُسَبُّ ويرمى بالحجارة، إلى أمل وإيمان بنصر عزيز من لدن حكيم خبير. وحين هاجر المسلمون من مكة إلى المدينة تاركين وراءهم أموالهم وديارهم وحياتهم بجوار بيت الله الحرام بعد أن سلبتهم قريش كل شيء مقابل خروجهم سالمين؛ كانوا وقتها يشعرون بالظلم القاهر لما اضطروا إليه فرارًا من أذى قريش الذي أرهق أرواحهم قبل أجسادهم، وكانوا موقنين أنهم على الحق، لكنَّ تأخُّر النصر يؤلمهم ويقض مضجعهم. كانوا يتحرقون شوقًا لأن يسترجعوا حقوقهم المسلوبة وكرامتهم المنهوبة؛ فلم يتركهم الله