فهرس الكتاب

الصفحة 1984 من 2003

ولعل مما يعصم عن الغرق في الحالة الراهنة تعود الاستبصار وتقليب النظر في الحالة الراهنة خيرها وشرها ، ومحاولة فهم المنطقية والآلية التي أدت إلى ولادتها وتجسدها ، وإذا ما تم ذلك أمكن أن نسيطر على تلك الحالة ، ونتصرف إلى اتجاهات سيرها وتطورها ، فإذا كان الابتلاء عبارة عن خير أي خير أصابه المؤمن ثمرة لجهده وكفاحه وجب عليه أن يستمر في ذلك الجهد على نفس الوتيرة التي كان عليها ، وإذا كان قد أصابه من غير تعب كمن ورث مالًا وفْرًا وجب عليه أن يشكر الله على ذلك أولًا ، وأن يقوم ثانيًا ببحث الأسباب والعوامل التي تؤدي إلى المحافظة عليه وتنميته وتزكيته ، حتى لا يشعر يومًا ما أن النعمة التي هبطت عليه لم يكن يستحقها ! .

وإذا كان ما أصاب المؤمن من شر ومحنة بسبب أخطائه وخطاياه ، فإن النجاح في مواجهة ذلك الابتلاء لا يكون إلا بالخلاص مما اقترفت يداه ، وبذلك يستحق تغيير الله تعالى له كما قال سبحانه: { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } [الرعد: 11] .

وإذا كان ما أصابه بسبب ما جناه غيره فإن عليه أن يصبر ، ويحاول أن يتجاوز ما هو فيه من بلاء بتحوله من (صالح) إلى (مصلح) لأن البلاء حين يعم بسبب انتشار الفساد لا يتأهل للنجاة منه إلا الذين يسعون إلى تحجيمه وتطهير المجتمع منه ، كما قال سبحانه: ] فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون [ [ الأعراف: 165] ، ولابد للتوطئة لكل ذلك من سيادة روح المفاتحة والمكاشفة والنقد المنصف البناء حتى لا تندغم الذات في الموضوع ، ونصبح كمن كان يدفع العجلة إلى أن أصبح يجري وراءها مستسلمًا لقوة اندفاعها .

3-إن مبدأ (الزوجية) ملحوظ في الكثير الكثير من المخلوقات والموجودات ، وهذا المبدأ كما أنه سبب في تكاثر الكائن الحي ونمو النوع كذلك هو سبب في تحول حالات الرخاء والشدة ، ففي رحم كل رخاء (نواة) لمحنة ، كما أن في أحشاء كل شدة نواة لرخاء ومنحة وهذا واضح في قوله جل وعلا: { فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا } (الشرح: 5 ، 6) إن فهم هذه المسألة يقتضي منا أن نضع الحالة الراهنة التي نعيشها في السياق التاريخي والسببي ، حتى يتبين لنا أنها ليست أكثر من حلقة في سلسلة غير متجانسة من النجود والوهاد والنجاحات والإخفاقات .

إن هذه الدنيا ليست هي الظرف المناسب لتموضع (الأحوال النهائية) في خير أو شر ، وإنما هناك دائمًا خلف الباب محنة تنتظر إذا ما نحن أسأنا التصرف بالإمكانات التي بين أيدينا ، وفي المقابل فإن الشدائد والمحن تفجّر روح المقاومة والإصرار والعناد ، تلك الروح التي كثيرًا ما تظل هاجعة خامدة إلى أن تأتيها صدمة قوية توقظها من سباتها ، وهكذا فالمطلوب دائمًا أن نكون في الموقع الصحيح لمواجهة الابتلاء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت