إن طبيعة الابتلاء تقوم على قاعدة من التوازنات العميقة والدقيقة ، والإنسان المبتلى يشبه في كثير من الأحيان الذي يسير على حبل مشدود فهو يطالب حتى لا يقع بأن يستنفذ كل قواه العقلية والجسمية على نحو دقيق ومتوازن وإلا ...
4-تمتلك أمة الإسلام بحمد الله عددًا من المنظومات المعيارية والرمزية التي تمكنها من اختراق الحالة التي تعايشها ومعرفة أوجه الابتلاء فيها ، بل وتمكن الصفوة الممتازة من أبنائها من معرفة نسب الخير والشر وحجم الإيجابيات والسلبيات في الواقع المعاش ، وهذه المعرفة تنظم أيضًا ردود أفعالنا على الطوارئ والوافدات الجديدة رفضًا ومدافعة وتعديلًا وتهذيبًا وقبولًا وترحيبًا ، وهذا يعني أن كل ابتلاء جديد لا يدخل في حياة الأمة (الحية) إلا بعد أن يمر بمصفاة قيمها ومبادئها و (عقيدتها الاجتماعية) [4] أيضًا ، وكلما كان وقع الابتلاء الجديد حادًا ومكشوفًا استطاع أن يستفز ردود أفعال الأمة عليه بصورة قوية وسريعة ، فظاهرة الردة الأولى كانت ابتلاء كبيرًا جدًا واجهته دولة الخلافة الوليدة في زمان أبي بكر رضي الله عنه بالقوة والسرعة المكافئة ، لكن الابتلاء (المتدرج) الذي حصل بعد ذلك في صورة فرق وعقائد فاسدة وانحرافات سلوكية وفي صورة تجديد أطر الدولة وفق اتساع أمة الإسلام لم يستوفز الطاقات الكامنة في الأمة ، فلم تقم بواجبها تجاهه ، ولعل هذا يدفعنا إلى القول: إن أخطر ما يغيب الإحساس بالابتلاء على مستوى الفرد والجماعة معًا ليس الكوارث الكبرى ولا الجوائح العظيمة وإنما (التغيرات البطيئة) التي تدخل من أضيق المسام ، فتتكيف الأمة معها سلبيًا على سبيل التدرج، وهذا ما حصل بالنسبة لأمة الإسلام وما حدث لدول عظمى في عصرنا الحديث ، فقد بدأت بريطانيا العظمى تتراجع عن مركزها العالمي ، وبدأت الشيخوخة تدب في أوصالها منذ أكثر من قرن لكن ذلك لم يظهر إلا في الحرب العالمية الثانية .
ومن الطريف أن بعض علماء (الأحياء) جاءوا بضفدع ، ووضعوه في إناء وأوقدوا تحته نارًا هادئة ، فصارت درجة حرارة الماء ترتفع بمنتهى البطء ، وكان المأمول أن يقفز الضفدع عندما يحسّ بسخونة الماء لكن حدوث التسخين على نحو بطيء أدى إلى أن يتحول (المحرّض) إلى (مخدّر) وكانت النتيجة أن الضفدع انسلق دون أن يبدي أية مقاومة !
وهنا تبرز مهمة العلماء الربانيين العظام والمفكرين المبدعين الذين يمتلكون حاسة (الاستشعار عن بعد) حيث يرون عواقب الأمور قبل فوات الآوان ، ويقومون بما تستحقه من مواجهة وعمل ، وفي هذا يقول سفيان الثوري رحمه الله: الفتنة إذا أدبرت عرفها كل الناس ، وإذا أقبلت لم يعرفها إلا العالم .
وحتى ننجح في مواجهة الابتلاء (التغيرات البطيئة) فإن علينا أن نقوم بأمرين:
أ- الانشداد إلى الأصول والثوابت في المنشط والمكره والتأبي على انصهار منهجيتنا وحاستنا النقدية في المعطيات الجديدة مع محاولة استيعاب تأثير المستجدات على تلك الأصول ومحاولة إيجاد التكييفات والتوظيفات التي ترسخها ، وتجعلها تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها .