فهرس الكتاب

الصفحة 244 من 2003

وهم يستغيثون ، وأنبأهم أنه ممدهم بألف من الملائكة مردفين . . ومع عظمة هذا الأمر ودلالته على قيمة هذه العصبة وقيمة هذا الدين في ميزان الله؛ إلا أن الله سبحانه لا يدع المسلمين يفهمون أن هناك سببًا ينشئ نتيجة ، إنما يرد الأمر كله إليه - سبحانه - تصحيحًا لعقيدة المسلم وتصوره . فهذه الاستجابة ، وهذا المدد ، وهذا الإخبار به . . . كل ذلك لم يكن إلا بشرى ، ولتطمئن به القلوب . أما النصر فلم يكن إلا من عند الله ولا يكون . . هذه هي الحقيقة الاعتقادية التي يقررها السياق القرآني هنا ، حتى لا يتعلق قلب المسلم بسبب من الأسباب أصلًا . .

لقد كان حسب المسلمين أن يبذلوا ما في طوقهم فلا يستبقوا منه بقية؛ وأن يغالبوا الهزة الأولى التي أصابت بعضهم في مواجهة الخطر الواقعي ، وأن يمضوا في طاعة أمر الله ، واثقين بنصر الله . . كان حسبهم هذا لينتهي دورهم ويجيء دور القدرة التي تصرفهم وتدبرهم . . وما عدا هذا فكان بشارة مطمئنة ، وتثبيتًا للقلوب في مواجهة الخطر الواقعي . . وإنه لحسب العصبة المؤمنة أن تشعر أن جند الله معها لتطمئن قلوبها وتثبت في المعركة . ثم يجيء النصر من عند الله وحده . حيث لا يملك النصر غيره . وهو « العزيز » القادر الغالب على أمره . وهو « الحكيم » الذي يحل كل أمر محله .

وفي كتاب فقه السيرة:- أهمية التضرع الى الله تعالى وشدة الإستعانة به:

لقد رأينا أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان يطمئن أصحابه بأن النصر لهم ' حتى أنه كان يشير الى أماكن متفرقة من الأرض ويقول: هذا مصرع فلان ' وهذا مصرع فلان ' ولقد وقع الأمر كما أخبر عليه الصلاة و السلام ' فما تزحزح أحد في مقتله عن موضع يده كما ورد في الحديث الصحيح .

ومع ذلك فقد رأيناه يقف طوال ليلة الجمعة في العريش الذى أقيم له يجأر إلى الله تعالى داعيًا متضرعًا ' باسطًا كفيه الى السماء يناشد الله عز وجل أن يؤتيه نصره الذى وعد حتى سقط عنه رداؤه وأشفق عليه أبو بكر الصديق ' والتزمه قائلا: كفى يا رسول الله ' إن الله منجز لك ما وعد ' فلماذا كل هذه الضراعة ما دام أنه مطمئن الى درجة أنه قال: لكأنى أنظر الى مصارع القوم ' وأنه حدد مصارع بعضهم على الأرض ؟

والجواب: أن إطمئنان النبى - صلى الله عليه وسلم - و إيمانه بالنصر ' إنما كان تصديقًا منه للوعد الذى وعد الله به رسوله ' ولا شك ان الله لا يخلف الميعاد ' وربما أوحى إليه خبر النصر في تلك الموقعة .

أما الإستغراق في التضرع و الدعاء و بسط الكف الى السماء ' فتلك هى وظيفة العبودية التى خلق من أجلها أفنسان ' وذلك هو ثمن النصر في كل حال .

فما النصر- مهما توافرت الوسائل و الأسباب - إلا من عند الله تعالى و بتوفيقه ' والله عز وجل لا يريد منا إلا أن نكون عبيدًا له بالطبع و الإختيار ' وما تقرب متقرب الى الله بصف أعظم من صفة العبودية'وما إستأهل إنسان بواسطة من الوسائط إستجابة دعاء من الله تعالى ' كمن إستأهل ذلك بواسطة ذل العبودية يتزىّ ويتبرقع به بين يدى الله تعالى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت