وما كل أنواع المصائب و المحن المختلفة التى تهدد الإنسان في هذه الحياة أو تنزل به ' إلا أسباب وعوامل تنبهه لعبوديته ' وتصرف آماله وفكره الى عظمة الله سبحانه وتعالى وباهر قدرته ' كى يفر إليه سبحانه وتعالى ويبسط أمامه ضعفه و عبوديته ' ويستجير به من كل فتنة وبلاء ' وإذا إستيقظ الإنسان في حياته لهذه الحقيقة وانصبغ سلوكه بها ' فقد وصل الى الحد الذى أمر الله عباده جميعًا أن يقفوا عنده وينتهوا إليه .
فهذه العبودية التى إتخذت مظهرها الرائع في طول دعاء النبى - صلى الله عليه وسلم - وشدة ضراعته و مناشدته لربه أن يؤتيه النصر ' هى الثمن الذى إستحق به ذلك التاييد الإلهى العظيم في تلك المعركة ' وقد نصت على ذلك الآية الكريمة إذ تقول: ( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أنى ممدكم بألف من الملائكة مردفين ) ' ويقينا منه - صلى الله عليه وسلم - بهذه العبودية لله عز وجل ' كان واثقًا بالنصر مطمئنًا الى أن العاقبة للمسلمين ' ثم قارن مظهر هذه العبودية التى تجلت في موقفه - صلى الله عليه وسلم - ونتائج ذلك ' مع مظهر ذلك الطغيان والتجبر الذى تجلى في موقف أبى جهل حينما قال: لن نرجع حتى نرد ماء بدر فننحر الجزر ونطعم الطعام ونسقى الخمر وتعزف علينا القيان ' وتسمع بنا العرب و بمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا ' ونتائج ذلك التجبر و الجبروت ... !
لقد كانت نتيجة العبودية و الخضوع لله تعالى عزة قعساء ومجدًا شامخًا خضع لهما جبين الدنيا باسرها ' ولقد كانت نتيجة الطغيان و الجبروت الزائفين قبرًا من الضيعة و الهوان أقيم لأربابهما حيث كانوا سيتساقون فيه الخمر وتعزف عليهم القيان ' وتلك هى سنة اله في الكون كلما تلاقت العبوديةلله حالصة مع جبروت و طغيان زائفين .
-الإمداد بالملائكة في غزوة بدر:
إنطوت بدر على معجزة من أعظم معجزات التأييد و النصر للمسلمين الصادقين ' فقد أمدّ الله المسلمين فيها بملائكة يقاتلون معهم ' وهذه حقيقة ثبتت بدلالة صريحة من الكتاب و السنة الصحيحة ' روى ابن هشام أن النبى صلى اله عليه وسلم خفق خفقة في العريش ثم إنتبه فقال: ( أبشر يا أبا بكر ' أتاك نصر الله هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على النقع ) ورواه البخارى أيضًا بلفظ قريب منه .
ومن أوضح الأدلة القاطعة على أن التعبير بالملائكة في بيان الله عز وجل ليس المقصود به ما يتوهمه البعض من المدد الروحى أو القوة المعنوية أو نحو ذلك - أقول من أوضح الأدلة القاطعة على بطلان هذا الوهم ' ضبط البيان الإلهى الملائكة بعدد محدود وهو الألف ' في قوله تعالى: ( فاستجاب لكم أنى ممدكم بألف من الملائكة مردفين ) إذ العدد من مستلزمات الكم المنفصل في الأشياء ' ولا يكون ذلك إلا في الأشياء المادية المحسوسة .