فهرس الكتاب

الصفحة 279 من 2003

وهذه المحبة من أعظم شعب الإيمان، وتأمل منزلتها في آية إبطال الأعذار الثمانية بسورة التوبة {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ...} الآية.

ثم إن صاحب المعصية له نفع خاص من الجهاد وذلك لتكفير ذنوبه. كما قال ابن تيمية رحمه الله معقبا على آية الصف السابقة [ومن كان كثير الذنوب فأعظم دوائه الجهاد، فإن الله - عز وجل - يغفر ذنوبه، كما أخبر الله في كتابه بقوله سبحانه وتعالى {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} ، ومن أراد التخلص من الحرام والتوبة ولا يمكن رده إلى أصحابه فلينفقه في سبيل الله عن أصحابه، فإن ذلك طريق حسنة إلى خلاصه مع ما يحصل له من أجر الجهاد] [1] .

مما سبق تعلم أن الفسق لا يُسقط التكليف بالجهاد، فالفاسق خاطب شرعا بالجهاد كالصالح العادل، وسبق ما نقله الشوكاني من جواز ـ وليس وجوب ـ الاستعانة بالفاسق والمنافق إجماعا. فإذا ثبت الجواز آل الأمر إلى اعتبار المنافع والمفاسد المترتبة على خروجه في الجهاد فأيتهما غلبت فالحكم لها. أي إذا كانت منفعة خروجه أعظم من مفسدته، سُمِحَ له بالخروج وعكسه بعكسه.

ومن هذا ما قاله ابن قدامة [ولا يستصحب الأمير معه مُخَذِّلا وهو الذي يثبط الناس عن الغزو... ولا مُرْجِفا وهو الذي يقول قد هلكت سرية المسلمين وما لهم مدد ولا طاقة لهم بالكفار... ولا من يعين على المسلمين بالتجسس للكفار... ولا من يوقع العداوة بين المسلمين ويسعى بالفساد] [2] ، وهذا كله يرجع إلى قوله تعالى {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} [3] ، وقوله تعالى {فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِي أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ} [4] ، ومحصل ذلك أنه يُمنع من الجهاد من فيه تخذيل أو إفساد للصف أو خيانة، فهذا عظيم المفسدة وإن كان فيه بعض النفع.

فإذا سمح الأمير للفاسق العاصي ـ الذي منفعته أعظم من فسقه ـ بالخروج للجهاد، فهذا لا يعني إقراره على فسقه ومعصيته، بل يأمره بالمعروف تعليما ونصحا، وينهاه عن المنكر زجرا وعقوبة، وهذا معناه ممارسة التربية الإيمانية أثناء الجهاد، ولا نقول يؤجل الجهاد حتى ننتهي من التربية الإيمانية فهذه لانهاية لها إلا بالموت لقوله تعالى {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [5] ، واليقين هو الموت كما

(1) - مجموع الفتاوى ج 28 ص 421، 422

(2) - المغني والشرح الكبير ج 10 ص 372، وقد سبق في مسألة (المحافظة على وحدة الجماعة) وتجد مثل هذا في المجموع شرح المهذب ج 19 ص 278 ـ 280

(3) - سورة التوبة، الآيتان: 46 ـ 47.

(4) - سورة التوبة، الآية: 83

(5) - سورة الحجر، الآية: 99

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت