في التفسير، وقد يحين الأجل ولم يُحَصِّل العبد إلا قدرا يسيرا من هذه التربية، قال تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ} [1] ، فهذه هي المنازل الإيمانية لأتباع الرسل وورثة الكتاب.
ويمكنني أن ألخص ما سبق فيما يلي:
1 = الإعداد الإيماني (التربية) واجب ومقوم أساسي من مقومات النصر، وقد سبق تفصيل هذا، خاصة ما يتعلق بأثر المعاصي في الخذلان، وأن معصية البعض تضر الكل إذا تركوا الإنكار، وهذا هو الحال الأمثل الذي إن وُجِدَ فيها ونعمت.
2 = ومع ذلك نقول إن الجهاد لا يؤجل من أجل الإعداد الإيماني ـ وإن كان يؤجل من أجل الإستعداد المادي عند العجز ـ خاصة إذا كان الجهاد فرض عين وأخص من الجهاد العيني ما إذا نزل العدو ببلد المسلمين، وهو حال كثير من البلدان الآن، فمثل هذا الجهاد واجب عيني مُضَيَّق الوقت، وتأجيل مثل هذا الجهاد العيني يؤدي إلى ضرر وفساد، فأي فتنة أعظم من حلول الكافرين بعقر بلاد المسلمين يفرضون عليهم أحكام الكفر ويسعون في إفساد المسلمين وفتنتهم عن دينهم بشتى وسائل المكر، فمن قال بتأجيل جهاد هؤلاء حتى يتسنى تربية من يرغب في الجهاد، فصاحب هذه المقولة لا يدرك أن عوامل الهدم أضعاف عوامل البناء، {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا} [2] ، {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [3] ، كذلك فإنه لا يدرك أن الكافرين لن يُبقوا على أي وسيلة من وسائل التربية الصالحة، قال تعالى: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [4] ، فلولا دفع الله تعالى للكافرين بالمجاهدين في سبيله لما بقي مكان صالح لعبادة الله سبحانه، ولذلك وصف ابن القيم رحمه الله المجاهدين بقوله: [قد بذلوا أنفسهم في محبة الله ونصر دينه وإعلاء كلمته ودفع أعداءه، وهم شركاء لكل من يحمونه بسيوفهم في أعمالهم التي يعملونها وإن باتوا في ديارهم، ولهم مثل أجور من عَبَدَ الله بسبب جهادهم وفتوحهم فإنهم كانوا هم السبب فيه. والشارع قد نَزَّل التسبب منزلة الفاعل التام في الأجر والوزر، ولهذا كان الداعي إلى الهدى والداعي إلى الضلال لكل منهما بتسببه مثل أجر من تَبِعَه] [5] .
(1) - سورة فاطر، الآية: 32
(2) - سورة البقرة، الآية: 217
(3) - سورة البقرة، الآية: 120
(4) - سورة الحج، الآية: 40
(5) - طريق الهجرتين ط دار الكتب العلمية 1403 هـ ص 355