فإذا اقتضى هذا الأمر أن يموت في سبيله , فهو إذن شهيد . أي شاهد طلب الله إليه أداء هذه الشهادة فأداها . واتخذه الله شهيدا . . ورزقه هذا المقام .
هذا فقه ذلك التعبير العجيب: (ويتخذ منكم شهداء . .) . .
وهو مدلول شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله , ومقتضاه . . لا ما انتهى إليه مدلول هذه الشهادة من الرخص والتفاهة والضياع !
(والله لا يحب الظالمين) . . والظلم كثيرا ما يذكر في القرآن ويراد به الشرك . بوصفه أظلم الظلم وأقبحه . وفي القرآن: (إن الشرك لظلم عظيم) . . وفي الصحيحين عن ابن مسعود:أنه قال:قلت:يا رسول الله . أي الذنب أعظم ? قال:"أن تجعل لله ندا وهو خلقك . . .". .
وقد أشار السياق من قبل إلى سنة الله في المكذبين ; فالآن يقرر أن الله لا يحب الظالمين . فهو توكيد في صورة أخرى لحقيقة ما ينتظر المكذبين الظالمين الذين لا يحبهم الله . والتعبير بأن الله لا يحب الظالمين , يثير في نفس المؤمن بغض الظلم وبغض الظالمين . وهذه الإثارة في معرض الحديث عن الجهاد والاستشهاد , لها مناسبتها الحاضرة . فالمؤمن إنما يبذل نفسه في مكافحة ما يكرهه الله ومن يكرهه . وهذا هو مقام الاستشهاد , وفي هذا تكون الشهادة ; ومن هؤلاء يتخذ الله الشهداء . .
ثم يمضي السياق القرآني يكشف عن الحكمة الكامنة وراء الأحداث , في تربية الأمة المسلمة وتمحيصها وإعدادها لدورها الأعلى , ولتكون أداة من أدوات قدره في محق الكافرين , وستارا لقدرته في هلاك المكذبين: (وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين) . .
والتمحيص درجة بعد الفرز والتمييز . التمحيص عملية تتم في داخل النفس , وفي مكنون الضمير . . إنها عملية كشف لمكنونات الشخصية , وتسليط الضوء على هذه المكنونات . تمهيدا لإخراج الدخل والدغل والأوشاب , وتركها نقية واضحة مستقرة على الحق , بلا غبش ولا ضباب . .
وكثيرا ما يجهل الإنسان نفسه , ومخابئها ودروبها ومنحنياتها . وكثيرا ما يجهل حقيقة ضعفها وقوتها , وحقيقة ما استكن فيها من رواسب , لا تظهر إلا بمثير !
وفي هذا التمحيص الذي يتولاه الله - سبحانه - بمداولة الأيام بين الناس بين الشدة والرخاء , يعلم المؤمنون من أنفسهم ما لم يكونوا يعلمونه قبل هذا المحك المرير:محك الأحداث والتجارب والمواقف العملية الواقعية .
ولقد يظن الإنسان في نفسه القدرة والشجاعة والتجرد والخلاص من الشح والحرص . . ثم إذا هو يكشف - على ضوء التجربة العملية , وفي مواجهة الأحداث الواقعية - إن في نفسه عقابيل لم تمحص . وأنه لم يتهيأ لمثل هذا المستوى من الضغوط ! ومن الخير أن يعلم هذا من نفسه , ليعاود المحاولة في سبكها من جديد , على مستوى الضغوط التي تقتضيها طبيعة هذه الدعوة , وعلى مستوى التكاليف التي تقتضيها هذه العقيدة !