والله - سبحانه - كان يربي هذه الجماعة المختارة لقيادة البشرية , وكان يريد بها أمرا في هذه الأرض . فمحصها هذا التمحيص , الذي تكشفت عنه الأحداث في أحد , لترتفع إلى مستوى الدور المقدر لها , وليتحقق على يديها قدر الله الذي ناطه بها: (ويمحق الكافرين) . .
تحقيقا لسنته في دمغ الباطل بالحق متى استعلن الحق , وخلص من الشوائب بالتمحيص . .
وفي سؤال استنكاري يصحح القرآن تصورات المسلمين عن سنة الله في الدعوات , وفي النصر والهزيمة , وفي العمل والجزاء . ويبين لهم أن طريق الجنة محفوف بالمكاره , وزاده الصبر على مشاق الطريق , وليس زاده التمني والأماني الطائرة التي لا تثبت على المعاناة والتمحيص: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ(142) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143) [آل عمران/142، 143] ) . .
إن صيغة السؤال الاستنكارية يقصد بها إلى التنبيه بشدة إلى خطأ هذا التصور:تصور أنه يكفي الإنسان أن يقولها كلمة باللسان:أسلمت وأنا على استعداد للموت . فيبلغ بهذه الكلمة أن يؤدي تكاليف الإيمان , وأن ينتهي إلى الجنة والرضوان !
إنما هي التجربة الواقعية , والامتحان العملي . وإنما هو الجهاد وملاقاة البلاء , ثم الصبر على تكاليف الجهاد , وعلى معاناة البلاء .
وفي النص القرآني لفتة ذات مغزى: (ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم) . . (ويعلم الصابرين) . .
فلا يكفي أن يجاهد المؤمنون . إنما هو الصبر على تكاليف هذه الدعوة أيضا . التكاليف المستمرة المتنوعة التي لا تقف عند الجهاد في الميدان . فربما كان الجهاد في الميدان أخف تكاليف هذه الدعوة التي يطلب لها الصبر , ويختبر بها الإيمان . إنما هنالك المعاناة اليومية التي لا تنتهي:معاناة الاستقامة على أفق الإيمان . والاستقرار على مقتضياته في الشعور والسلوك , والصبر في أثناء ذلك على الضعف الإنساني:في النفس وفي الغير , ممن يتعامل معهم المؤمن في حياته اليومية . والصبر على الفترات التي يستعلي فيها الباطل وينتفش ويبدو كالمنتصر ! والصبر على طول الطريق وبعد الشقة وكثرة العقبات . والصبر على وسوسة الراحة وهفوة النفس لها في زحمة الجهد والكرب والنضال . . والصبر على أشياء كثيرة ليس الجهاد في الميدان إلا واحدا منها , في الطريق المحفوف بالمكاره . طريق الجنة التي لا تنال بالأماني وبكلمات اللسان !
(ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه . فقد رأيتموه وأنتم تنظرون) . .
وهكذا يقفهم السياق وجها لوجه مرة أخرى أمام الموت الذي واجهوه في المعركة , وقد كانوا من قبل يتمنون لقاءه . ليوازنوا في حسهم بين وزن الكلمة يقولها اللسان , ووزن الحقيقة يواجهها في العيان . فيعلمهم بهذا أن يحسبوا حسابا لكل كلمة تطلقها السنتهم , ويزنوا حقيقة رصيدها الواقعي في نفوسهم , على ضوء ما واجهوه من حقيقتها حين واجهتهم ! وبذلك يقدرون قيمة الكلمة ,