وهو وعد قائم في كل معركة يلتقي فيها الكفر بالإيمان . فما يلقى الذين كفروا الذين آمنوا حتى يخافوهم , ويتحرك الرعب الملقى من الله في قلوبهم . ولكن المهم أن توجد حقيقة الإيمان في قلوب المؤمنين . حقيقة الشعور بولاية الله وحده , والثقة المطلقة بهذه الولاية , والتجرد من كل شائبة من شك في أن جند الله هم الغالبون , وأن الله غالب على أمره , وأن الذين كفروا غير معجزين في الأرض ولا سابقين لله سبحانه !
والتعامل مع وعد الله هذا , مهما تكن ظواهر الأمور تخالفه , فوعد الله أصدق مما تراه عيون البشر وتقدره عقولهم !
إنه الرعب لأن قلوبهم خاوية من السند الصحيح . لأنهم لا يستندون إلى قوة ولا إلى ذي قوة . إنهم أشركوا بالله آلهة لا سلطان لها , لأن الله لم يمنحها سلطانا .
والتعبير: (ما لم ينزل به سلطانا) ذو معنى عميق , وهو يصادفنا في القرآن كثيرا . مرة توصف به الآلهة المدعاة , ومرة توصف به العقائد الزائفة . . وهو يشير إلى حقيقة أساسية عميقة:
إن أية فكرة , أو عقيدة , أو شخصية , أو منظمة . . إنما تحيا وتعمل وتؤثر بمقدار ما تحمل من قوة كامنة وسلطان قاهر . هذه القوة تتوقف على مقدار ما فيها من"الحق"أي بمقدار ما فيها من توافق مع القاعدة التي أقام الله عليها الكون , ومع سنن الله التي تعمل في هذا الكون . وعندئذ يمنحها الله القوة والسلطان الحقيقيين الفاعلين المؤثرين في هذا الوجود . وإلا فهي زائفة باطلة ضعيفة واهية , مهما بدا فيها من قوة والتماع وانتفاش !
والمشركون يشركون مع الله آلهة أخرى - في صور شتى - ويقوم الشرك ابتداء على إعطاء غير الله - سبحانه - شيئا ما من خصائص الألوهية ومظاهرها . وفي مقدمة هذه الخصائص حق التشريع للعباد في شؤون حياتهم كلها ; وحق وضع القيم التي يتحاكم إليها العباد في سلوكهم وفي مجتمعاتهم ; وحق الاستعلاء على العباد وإلزامهم بالطاعة لتلك التشريعات والاعتبار لهذه القيم . . ثم تأتي مسألة العبادة الشعائرية ضمن إعطاء هذه الخصائص لغير الله سبحانه , وواحدة منها !
فماذا تحمل هذه الآلهة من الحق الذي أقام الله عليه الكون ? إن الله الواحد خلق هذا الكون لينتسب إلى خالقه الواحد ; وخلق هذه الخلائق لتقر له بالعبودية وحده بلا شريك ; ولتتلقى منه الشريعة والقيم بلا منازع ; ولتعبده وحده حق عبادته بلا انداد . . فكل ما يخرج على قاعدة التوحيد في معناها الشامل , فهو زائف باطل , مناقض للحق الكامن في بنية الكون . ومن ثم فهو واه هزيل , لا يحمل قوة ولا سلطانا , ولا يملك أن يؤثر في مجرى الحياة ; بل لا يملك عناصر الحياة ولا حق الحياة !
وما دام أولئك المشركون يشركون بالله ما لم ينزل به سلطانا ; من الآلهة والعقائد والتصورات فهم يرتكنون إلى ضعف وخواء , وهم أبدا خوارون ضعفاء ; وهم أبدا في رعب حيثما التقوا بالمؤمنين المرتكنين إلى الحق ذي السلطان . .