فهرس الكتاب

الصفحة 403 من 2003

.وفي مقام العبادة يقف العبيد كلهم صفًا ، وترتفع ذات الله سبحانه متفردة فوق جميع العباد . . وهذا هو المراد .

وعند ذلك يقر معنى الألوهية ، ومعنى العبودية ، ويتميزان ، فلا يختلطان ولا يشتبهان ، وتتجرد صفة الوحداينة لله سبحانه بلا شريك ولا شبيه . وحين يقف محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مقام العبودية لله وحده يعلن هذا الإعلان ، ويخاف هذا الخوف من العصيان ، فليس هنالك مجال لدعوى شفاعة الأصنام أو الملائكة بعبادتهم من دون الله أو مع الله بحال من الأحوال .

ومرة أخرى يكرر الإعلان مع الإصرار على الطريق ، وترك المشركين لطريقهم ونهايته الأليمة: { قل: الله أعبد مخلصًا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه .قل: إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة . ألا ذلك هو الخسران المبين } . .مرة أخرى يعلن: إنني ماض في طريقي . أخص الله بالعبادة ، وأخلص له الدينونة . فأما أنتم فامضوا في الطريق التي تريدون؛ واعبدوا ما شئتم من دونه . ولكن هنالك الخسران الذي ما بعده خسران . خسران النفس التي تنتهي إلى جهنم . وخسران الأهل سواء كانوا مؤمنين أم كافرين . فإن كانوا مؤمنين فقد خسرهم المشركون لأن هؤلاء إلى طريق وهؤلاء إلى طريق . وإن كانوا مشركين مثلهم فكلهم خسر نفسه بالجحيم . . { ألا ذلك هو الخسران المبين } . .

ثم يعرض مشهد الخسران المبين: { لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل . ذلك يخوف الله به عباده . يا عباد فاتقون } . .وهو مشهد رعيب حقًا . مشهد النار في هيئة ظلل من فوقهم وظلل من تحتهم ، وهم في طيات هذه الظلل المعتمة تلفهم وتحتوي عليهم . وهي من النار!

إنه مشهد رعيب . يعرضه الله لعباده وهم بعد في الأرض يملكون أن ينأوا بأنفسهم عن طريقه . ويخوفهم مغبته لعلهم يجتنبونه: { ذلك يخوف الله به عباده } . .ويناديهم ليحذروا ويتقوا ويسلموا: { يا عباد فاتقون } .وعلى الضفة الأخرى يقف الناجون ، الذين خافوا هذا المصير المشؤوم: { والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى . فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، أولئك الذين هداهم الله . وأولئك هم أولو الألباب } . .والطاغوت صياغة من الطغيان؛ نحو ملكوت وعظموت ورحموت . تفيد المبالغة والضخامة . والطاغوت كل ما طغا وتجاوز الحد . والذين اجتنبوا عبادتها هم الذين اجتنبوا عبادة غير المعبود في أية صورة من صور العبادة . وهم الذين أنابوا إلى ربهم . وعادوا إليه ، ووقفوا في مقام العبودية له وحده .

هؤلاء { لهم البشرى } صادرة إليهم من الملأ الأعلى . والرسول - صلى الله عليه وسلم - يبلغها لهم بأمر الله: { فبشر عباد } . . إنها البشرى العلوية يحملها إليهم رسول كريم . وهذا وحده نعيم!

هؤلاء من صفاتهم أنهم يستمعون ما يستمعون من القول ، فتلتقط قلوبهم أحسنه وتطرد ما عداه ، فلا يلحق بها ولا يلصق إلا الكلم الطيب ، الذي تزكو به النفوس والقلوب . . والنفس الطيبة تتفتح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت