فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 2003

ولقد أعقب هول الهزيمة وذعرها , وهرجها ومرجها , سكون عجيب . سكون في نفوس المؤمنين الذين ثابوا إلى ربهم , وثابوا إلى نبيهم . لقد شملهم نعاس لطيف يستسلمون إليه مطمئنين !

والتعبير عن هذه الظاهرة العجيبة يشف ويرق وينعم , حتى ليصور بجرسه وظله ذلك الجو المطمئن الوديع: (ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم) . .

وهي ظاهرة عجيبة تشي برحمة الله التي تحف بعباده المؤمنين ; فالنعاس حين يلم بالمجهدين المرهقين المفزعين , ولو لحظة واحدة , يفعل في كيانهم فعل السحر , ويردهم خلقا جديدا , ويسكب في قلوبهم الطمأنينة , كما يسكب في كيانهم الراحة . بطريقة مجهولة الكنه والكيف ! أقول هذا وقد جربته في لحظة كرب وشدة . فأحسست فيه رحمة الله الندية العميقة بصورة تعجز عن وصفها العبارة البشرية القاصرة !

عَنْ أَبِي طَلْحَةَ ، قَالَ: رَمَقْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَصْحَابَهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا إِلا وَهُوَ يَمَلُّ تَحْتَ جُحْفَتِهِ مِنَ النُّعَاسِ . [1] ". ."

أما الطائفة الأخرى ; فهم ذوو الإيمان المزعزع , الذين شغلتهم أنفسهم وأهمتهم , والذين لم يتخلصوا من تصورات الجاهلية , ولم يسلموا أنفسهم كلها لله خالصة , ولم يستسلموا بكليتهم لقدره , ولم تطمئن قلوبهم إلى أن ما أصابهم إنما هو ابتلاء للتمحيص , وليس تخليا من الله عن أوليائه لأعدائه , ولا قضاء منه - سبحانه - للكفر والشر والباطل بالغلبة الأخيرة والنصر الكامل: (وطائفة قد أهمتهم أنفسهم , يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية . يقولون:هل لنا من الأمر من شيء ?) . .

أن هذه العقيدة تعلم أصحابها - فيما تعلم - أن ليس لهم في أنفسهم شيء , فهم كلهم لله ; وأنهم حين يخرجون للجهاد في سبيله يخرجون له , ويتحركون له , ويقاتلون له , بلا هدف آخر لذواتهم في هذا الجهاد , وأنهم يسلمون أنفسهم لقدره , فيتلقون ما يأتيهم به هذا القدر في رضى وفي تسليم , كائنا هذا القدر ما يكون .

فأما الذين تهمهم أنفسهم , وتصبح محور تفكيرهم وتقديرهم , ومحور اهتمامهم وانشغالهم . . فهؤلاء لم تكتمل في نفوسهم حقيقة الإيمان . ومن هؤلاء كانت تلك الطائفة الأخرى التي يتحدث عنها القرآن في هذا الموضع . طائفة الذين شغلتهم أنفسهم وأهمتهم , فهم في قلق وفي أرجحة , يحسون أنهم مضيعون في أمر غير واضح في تصورهم , ويرون أنهم دفعوا إلى المعركة دفعا ولا إرادة لهم فيها ; وهم مع ذلك يتعرضون للبلاء المرير , ويؤدون الثمن فادحا من القتل والقرح والألم . . وهم لا يعرفون الله على حقيقته , فهم يظنون بالله غير الحق , كما تظن الجاهلية . ومن الظن غير الحق بالله أن يتصوروا أنه - سبحانه - مضيعهم في هذه المعركة , التي ليس لهم من أمرها شيء ,

(1) - المعجم الكبير للطبراني - (4 / 497) ( 4575) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت