فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 2003

وإنما دفعوا إليها دفعا ليموتوا ويجرحوا , والله لا ينصرهم ولا ينقذهم ; إنما يدعهم فريسة لأعدائهم , ويتساءلون: (هل لنا من الأمر من شيء ?) .

وتتضمن قولتهم هذه الاعتراض على خطة القيادة والمعركة . . ولعلهم ممن كان رأيهم عدم الخروج من المدينة ; ممن لم يرجعوا مع عبد الله بن أبي . . ولكن قلوبهم لم تكن قد استقرت واطمأنت . .

وقبل أن يكمل السياق عرض وساوسهم وظنونهم , يبادر بتصحيح الأمر وتقرير الحقيقة فيما يتساءلون فيه , ويرد على قولتهم: (هل لنا من الأمر من شيء ?) .

(قل:إن الأمر كله لله) . . فلا أمر لأحد . لا لهم ولا لغيرهم . ومن قبل قال الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - (ليس لك من الأمر شيء) . فأمر هذا الدين , والجهاد لإقامته وتقرير نظامه في الأرض , وهداية القلوب له . . كلها من أمر الله , وليس للبشر فيها من شيء , إلا أن يؤدوا واجبهم , ويفوا ببيعتهم , ثم يكون ما يشاؤه الله كيف يكون !

ويكشف كذلك خبيئة نفوسهم قبل أن يكمل عرض وساوسهم وظنونهم: (يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك) . .

فنفوسهم ملأى بالوساوس والهواجس , حافلة بالاعتراضات والاحتجاجات ; وسؤالهم: (هل لنا من الأمر من شيء) . . يخفي وراءه شعورهم بأنهم دفعوا إلى مصير لم يختاروه ! وأنهم ضحية سوء القيادة , وأنهم لو كانوا هم الذين يديرون المعركة ما لاقوا هذا المصير .

(يقولون:لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا) . .

وهو الهاجس الذي يجيش في النفوس التي لم تخلص للعقيدة , حينما تصطدم في موقعة بالهزيمة , وحينما تعاني آلام الهزيمة ! حين ترى الثمن أفدح مما كانت تظن ; وأن الثمرة أشد مرارة مما كانت تتوقع ; وحين تفتش في ضمائرها فلا ترى الأمر واضحا ولا مستقرا ; وحين تتخيل أن تصرف القيادة هو الذي ألقى بها في هذه المهلكة , وكانت في نجوة من الأمر لو كان أمرها في يدها ! وهي لا يمكن - بهذا الغبش في التصور - أن ترى يد الله وراء الأحداث , ولا حكمته في الابتلاء . إنما المسألة كلها - في اعتبارها - خسارة في خسارة ! وضياع في ضياع !

هنا يجيئهم التصحيح العميق للأمر كله . لأمر الحياة والموت . ولأمر الحكمة الكامنة وراء الابتلاء:

(قل:لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم . وليبتلي الله ما في صدوركم ,وليمحص ما في قلوبكم , والله عليم بذات الصدور) . .

قل لو كنتم في بيوتكم ; ولم تخرجوا للمعركة تلبية لنداء القيادة , وكان أمركم كله لتقديركم . . لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم . . إن هنالك أجلا مكتوبا لا يستقدم ولا يستأخر . وإن هنالك مضجعا مقسوما لا بد أن يجيء إليه صاحبه فيضجع فيه ! فإذا حم الأجل , سعى صاحبه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت