فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 2003

بقدميه إليه , وجاء إلى مضجعه برجليه , لا يسوقه أحد إلى أجله المرسوم , ولا يدفعه أحد إلى مضجعه المقسوم !

ويا للتعبير العجيب . ."إلى مضاجعهم". . فهو مضجع إذن ذلك الرمس الذي تستريح فيه الجنوب , وتسكن فيه الخطى , وينتهي إليه الضاربون في الأرض . . مضجع يأتون إليه بدافع خفي لا يدركونه ولا يملكونه , إنما هو يدركهم ويملكهم ; ويتصرف في أمرهم كما يشاء . والاستسلام له أروح للقلب , وأهدأ للنفس , وأريح للضمير !

إنه قدر الله . ووراءه حكمته: (وليبتلي الله ما في صدوركم , وليمحص ما في قلوبكم) . .

فليس كالمحنة محك يكشف ما في الصدور , ويصهر ما في القلوب , فينفي عنها الزيف والرياء , ويكشفها على حقيقتها بلا طلاء . . فهو الابتلاء والاختبار لما في الصدور , ليظهر على حقيقته , وهو التطهير والتصفية للقلوب , فلا يبقى فيها دخل ولا زيف . وهو التصحيح والتجلية للتصور ; فلا يبقى فيه غبش ولا خلل: (والله عليم بذات الصدور) .

وذات الصدور هي الأسرار الخفية الملازمة للصدور , المختبئة فيها , المصاحبة لها , التي لا تبارحها ولا تتكشف في النور ! والله عليم بذات الصدور هذه . ولكنه - سبحانه - يريد أن يكشفها للناس , ويكشفها لأصحابها أنفسهم , فقد لا يعلمونها من أنفسهم , حتى تنفضها الأحداث وتكشفها لهم!

ولقد علم الله دخيلة الذين هزموا وفورا يوم التقى الجمعان في الغزوة . إنهم ضعفوا وتولوا بسبب معصية ارتكبوها ; فظلت نفوسهم مزعزعة بسببها , فدخل عليهم الشيطان من ذلك المنفذ , واستزلهم فزلوا وسقطوا: (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا . ولقد عفا الله عنهم , إن الله غفور حليم) . .

وقد تكون الإشارة في هذه الآية خاصة بالرماة الذين جال في نفوسهم الطمع في الغنيمة كما جال فيها أن رسول الله سيحرمهم أنصبتهم . فكان هذا هو الذي كسبوه , وهو الذي استزلهم الشيطان به

ولكنها في عمومها تصوير لحالة النفس البشرية حين ترتكب الخطيئة , فتفقد ثقتها في قوتها , ويضعف بالله ارتباطها , ويختل توازنها وتماسكها , وتصبح عرضة للوساوس والهواجس , بسبب تخلخل صلتها بالله وثقتها من رضاه ! وعندئذ يجد الشيطان طريقه إلى هذه النفس , فيقودها إلى الزلة بعد الزلة , وهي بعيدة عن الحمى الآمن , والركن الركين .

ومن هنا كان الاستغفار من الذنب هو أول ما توجه به الربيون الذين قاتلوا مع النبيين في مواجهة الأعداء . الاستغفار الذي يردهم إلى الله , ويقوي صلتهم به , ويعفي قلوبهم من الأرجحة , ويطرد عنهم الوساوس , ويسد الثغرة التي يدخل منها الشيطان , ثغرة الانقطاع عن الله , والبعد عن حماه . هذه الثغرة التي يدخل منها فيزل أقدامهم مرة ومرة , حتى ينقطع بهم في التيه , بعيدا بعيدا عن الحمى الذي لا ينالهم فيه !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت