إن هذا الختام يتضمن لمسات قرآنية كثيرة منوعة عميقة:
إنها تجيء ابتداء تعقيبا على الغنائم والطمع فيها والغلول , والانشغال بهذا الأمر الصغير , الذي كان الإنشغال به هو السبب المباشر الذي قلب الموقف في المعركة , وبدل النصر هزيمة , وفعل بالمسلمين الأفاعيل . فالإشارة إلى حقيقة الرسالة الكبيرة , والمنة العظيمة المتمثلة فيها , لمسة عميقة من لمسات التربية القرآنية الفريدة . تبدو في ظلها غنائم الأرض كلها , وأسلاب الأرض كلها , وإعراض الأرض كلها , شيئا تافها زهيدا , لا يذكر ولا يقدر . شيئا تخجل النفس المؤمنة أن تذكره , بل تستحي أن تفكر فيه ! فضلا عن أن تشغل به !
وهي تجيء في سياق الحديث عن الهزيمة والقرح والألم والخسارة التي أصابت الجماعة المسلمة في المعركة . .
فالإشارة إلى تلك الحقيقة الكبيرة , وما تمثله من منة عظيمة , لمسة عميقة من لمسات التربية القرآنية العجيبة , تصغر في ظلها الآلام والخسائر , وتصغر إلى جانبها الجراح والتضحيات . على حين تعظم المنة , ويتجلى العطاء الذي يرجح كل شيء في حياة الأمة المسلمة على الإطلاق .
ثم . . الإشارة إلى آثار هذه المنة في حياة الأمة المسلمة (يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة , وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) . .
وهي تشي بالنقلة من حال إلى حال , ومن وضع إلى وضع , ومن عهد إلى عهد . فتشعر الأمة المسلمة بما وراء هذه النقلة من قدر الله الذي يريد بهذه الأمة أمرا ضخما في تاريخ الأرض , وفي حياة البشر , والذي يعدها لهذا الأمر الضخم بإرسال الرسول - صلى الله عليه وسلم - فما ينبغي لأمة هذا شأنها , أن تشغل بالها بالغنائم التي تبدو تافهة زهيدة في ظل هذا الهدف الضخم , ولا أن تجزع من التضحيات والآلام , التي تبدو هينة يسيرة في ظل هذه الغاية الكبيرة . .
هذه بعض اللمسات المستفادة من ذكر هذه المنة في هذا السياق . نذكرها باختصار وإجمال , لنواجه النص القرآني الحافل بالإيحاءات والظلال: (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم) . .
إنها المنة العظمى أن يبعث الله فيهم رسولا , وأن يكون هذا الرسول (من أنفسهم) . . إن العناية من الله الجليل , بإرسال رسول من عنده إلى بعض خلقه , هي المنة التي لا تنبثق إلا من فيض الكرم الإلهي . المنة الخالصة التي لا يقابلها شيء من جانب البشر . وإلا فمن هم هؤلاء الناس , ومن هم هؤلاء الخلق , حتى يذكرهم الله هذا الذكر , ويعنى بهم هذه العناية ? ويبلغ من حفاوة الله بهم , أن يرسل لهم رسولا من عنده , يحدثهم بآياته - سبحانه - وكلماته , لولا أن كرم الله يفيض بلا حساب , ويغمر خلائقه بلا سبب منهم ولا مقابل ?
وتتضاعف المنة بأن يكون هذا الرسول"من أنفسهم". .