فهرس الكتاب

الصفحة 433 من 2003

لم يقل"منهم"فإن للتعبير القرآني"من أنفسهم"ظلالا عميقة الإيحاء والدلالة . .

إن الصلة بين المؤمنين والرسول هي صلة النفس بالنفس , لا صلة الفرد بالجنس .

فليست المسألة أنه واحد منهم وكفى . إنما هي أعمق من ذلك وأرقى . ثم إنهم بالإيمان يرتفعون إلى هذه الصلة بالرسول , ويصلون إلى هذا الأفق من الكرامة على الله . فهو منة على المؤمنين . .

فالمنة مضاعفة , ممثلة في إرسال الرسول , وفي وصل أنفسهم بنفس الرسول , ونفس الرسول بأنفسهم على هذا النحو الحبيب .

ثم تتجلى هذه المنة العلوية في آثارها العملية . . في نفوسهم وحياتهم وتاريخهم الإنساني: (يتلو عليهم آياته , ويزكيهم , ويعلمهم الكتاب والحكمة) . .

تتجلى هذه المنة في أكبر مجاليها . في تكريم الله لهم . بإرسال رسول من عنده يخاطبهم بكلام الله الجليل: يتلو عليهم آياته . .

ولو تأمل الإنسان هذه المنة وحدها لراعته وهزته حتى ما يتمالك أن ينصب قامته أمام الله , حتى وهو يقف أمامه للشكر والصلاة !

ولو تأمل أن الله الجليل - سبحانه - يتكرم عليه , فيخاطبه بكلماته . يخاطبه ليحدثه عن ذاته الجليلة وصفاته ; وليعرفه بحقيقة الألوهية وخصائصها . ثم يخاطبه ليحدثه عن شأنه هو - هو الإنسان - هو العبد الصغير الضئيل - وعن حياته , وعن خوالجه , وعن حركاته وسكناته . يخاطبه ليدعوه إلى ما يحييه , وليرشده إلى ما يصلح قلبه وحاله , ويهتف به إلى جنة عرضها السماوات والأرض .

فهل هو إلا الكرم الفائض الذي يجري بهذه المنة , وهذا التفضل , وهذا العطاء ?

إن الله الجليل غني عن العالمين . وإن الإنسان الضئيل لهو الفقير المحووج . .

ولكن الجليل هو الذي يحفل هذا الضئيل , ويتلمسه بعنايته , ويتابعه بدعوته ! والغني هو الذي يخاطب الفقير ويدعوه ويكرر دعوته ! فيا للكرم ! ويا للمنة ! ويا للفضل والعطاء الذي لا كفاء له من الشكر والوفاء !

(ويزكيهم) . . يطهرهم ويرفعهم وينقيهم . يطهر قلوبهم وتصوراتهم ومشاعرهم . ويطهر بيوتهم وأعراضهم وصلاتهم . ويطهر حياتهم ومجتمعهم وأنظمتهم . .

يطهرهم من أرجاس الشرك والوثنية والخرافة والأسطورة , وما تبثه في الحياة من مراسم وشعائر وعادات وتقاليد هابطة مزرية بالإنسان وبمعنى إنسانيته . . ويطهرم من دنس الحياة الجاهلية , وما تلوث به المشاعر والشعائر والتقاليد والقيم والمفاهيم .

وقد كان لكل جاهلية من حولهم أرجاسها , وكان للعرب جاهليتهم وأرجاسها .

من أرجاسها هذا الذي وصفه جعفر بن أبي طالب وهو يحدث نجاشي الحبشة في مواجهة رسولي قريش إليه , وقد جاءا إليه ليسلمهما المهاجرين من المسلمين عنده . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت