ولكن كونهم مسلمين لا يذهب هدرا كذلك , ولا يضيع هباء . فإن استسلامهم لله , وحملهم لرايته , وعزمهم على طاعته , والتزام منهجه . . من شأنه أن يرد أخطاءهم وتقصيرهم خيرا وبركة في النهاية - بعد استيفاء ما يترتب عليها من التضحية والألم والقرح - وأن يجعل من الأخطاء ونتائجها دروسا وتجارب , تزيد في نقاء العقيدة , وتمحيص القلوب , وتطهير الصفوف ; وتؤهل للنصر الموعود ; وتنتهي بالخير والبركة . . ولا تطرد المسلمين من كنف الله ورعايته وعنايته . بل تمدهم بزاد الطريق . مهما يمسهم من البرح والألم والضيق في أثناء الطريق .
وبهذا الوضوح والصرامة معا يأخذ الله الجماعة المسلمة ; وهو يرد على تساؤلها ودهشتها مما وقع ; ويكشف عن السبب القريب من أفعالها ; كما يكشف عن الحكمة البعيدة من قدره - سبحانه - يواجه المنافقين بحقيقة الموت , التي لا يعصم منها حذر ولا قعود: (أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا ? قل هو من عند أنفسكم . إن الله على كل شيء قدير) . .
والمسلمون الذين أصيبوا في أحد بما أصيبوا ; والذين فقدوا سبعين من شهدائهم غير الجراح والآلام التي عانوها في هذا اليوم المرير ; والذين عز عليهم أن يصيبهم ما أصابهم , وهم المسلمون , وهم يجاهدون في سبيل الله , وأعداؤهم هم المشركون أعداء الله . . المسلمون الذين أصيبوا بهذه المصيبة , كان قد سبق لهم أن أصابوا مثليها:أصابوا مثلها يوم بدر فقتلوا سبعين من صناديد قريش . وأصابوا مثلها يوم أحد في مطلع المعركة , حينما كانوا مستقيمين على أمر الله وأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - وقبل أن يضعفوا أمام إغراء الغنائم . وقبل أن تهجس في أنفسهم الخواطر التي لا ينبغي أن تهجس في ضمائر المؤمنين !
ويذكرهم الله هذا كله , وهو يرد على دهشتهم المتسائلة , فيرجع ما حدث لهم إلى سببه المباشر القريب: (قل:هو من عند أنفسكم) . .
أنفسكم هي التي تخلخلت وفشلت وتنازعت في الأمر . وأنفسكم هي التي أخلت بشرط الله وشرط رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأنفسكم هي التي خالجتها الأطماع والهواجس . وأنفسكم هي التي عصت أمر رسول الله وخطته للمعركة . . فهذا الذي تستنكرون أن يقع لكم , وتقولون:كيف هذا ? هو من عند أنفسكم , بانطباق سنة الله عليكم , حين عرضتم أنفسكم لها . فالإنسان حين يعرض نفسه لسنة الله لا بد أن تنطبق عليه , مسلما كان أو مشركا , ولا تنخرق محاباة له , فمن كمال إسلامه أن يوافق نفسه على مقتضى سنة الله ابتداء !
(إن الله على كل شيء قدير) . .
ومن مقتضى قدرته أن تنفذ سنته , وأن يحكم ناموسه , وأن تمضي الأمور وفق حكمه وإرادته , وألا تتعطل سننه التي أقام عليها الكون والحياة والأحداث .