فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 2003

ومع هذا فقد كان قدر الله من وراء الأمر كله لحكمة يراها . وقدر الله دائما من وراء كل أمر يحدث , ومن وراء كل حركة وكل نأمة , وكل انبثاقة في هذا الكون كله: (وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله . . .) . .

لم يقع مصادفة ولا جزافا , ولم يقع عبثا ولا سدى . فكل حركة محسوب حسابها في تصميم هذا الكون ; ومقدر لها علتها ونتائجها ; وهي في مجموعها - ومع جريانها وفق السنن والقوانين الثابتة التي لا تنخرق ولا تتعطل ولا تحابي - تحقق الحكمة الكامنة وراءها ; وتكمل"التصميم"النهائي للكون في مجموعة !

إن التصور الإسلامي يبلغ من الشمول والتوازن في هذه القضية , ما لا يبلغه أي تصور آخر في تاريخ البشرية . .

هنالك ناموس ثابت وسنن حتمية . . وهناك وراء الناموس الثابت والسنن الحتمية إرادة فاعلة ومشيئة طليقة . وهناك وراء الناموس والسنن والإرادة والمشيئة حكمة مدبرة يجري كل شيء في نطاقها . . والناموس يتحكم والسنن تجري في كل شيء - ومن بينها الإنسان - والإنسان يتعرض لهذه السنن بحركاته الإرادية المختارة , وبفعله الذي ينشئه حسب تفكيره وتدبيره , فتنطبق عليه , وتؤثر فيه . . ولكن هذا كله يقع موافقا لقدر الله ومشيئته ; ويحقق في الوقت ذاته حكمته وتقديره . . وإرادة الإنسان وتفكيره وحركته وفاعليته هي جزء من سنن الله وناموسه يفعل بها ما يفعل , ويحقق بها ما يحقق في نطاق قدره وتدبيره . فليس شيء منها خارجا على السنن والناموس . ولا مقابلا لها ومناهضا لفعلها , كما يتصور الذين يضعون إرادة الله وقدره في كفة , ويضعون إرادة الإنسان وفاعليته في الكفة المقابلة . . كلا . ليس الأمر هكذا في التصور الإسلامي . . فالإنسان ليس ندا لله , ولا عدوا له كذلك . والله - سبحانه - حين وهب الإنسان كينونته وفكره وإرادته وتقديره وتدبيره وفاعليته في الأرض , لم يجعل شيئا من هذا كله متعارضا مع سنته - سبحانه - لا مناهضا لمشيئته , ولا خارجا كذلك عن الحكمة الأخيرة وراء قدره في هذا الكون الكبير . . ولكن جعل من سنته وقدره أن يقدر الإنسان ويدبر ; وأن يتحرك ويؤثر ; وأن يتعرض لسنة الله فتنطبق عليه ; وأن يلقى جزاء هذا التعرض كاملا من لذة وألم , وراحة وتعب , وسعادة وشقاوة . . وأن يتحقق من وراء هذا التعرض ونتيجته , قدر الله المحيط بكل شيء , في تناسق وتوازن . .

وهذا الذي وقع في غزوة أحد , مثل لهذا الذي نقوله عن التصور الإسلامي الشامل الكامل . فقد عرف الله المسلمين سنته وشرطه في النصر والهزيمة . فخالفوا هم عن سنته وشرطه , فتعرضوا للألم والقرح الذي تعرضوا له . . ولكن الأمر لم ينته عند هذا الحد , فقد كان وراء المخالفة والألم تحقيق قدر الله في تمييز المؤمنين من المنافقين في الصف , وتمحيص قلوب المؤمنين وتجلية ما فيها من غبش في التصور , ومن ضعف أو قصور . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت