وهذا بدوره خير ينتهي إليه أمر المسلمين - من واء الألم والضر - وقد نالوه وفق سنة الله كذلك . فمن سنته أن المسلمين الذين يسلمون بمنهج الله ويستسلمون له في عمومه , يعينهم الله ويرعاهم , ويجعل من أخطائهم وسيلة لخيرهم النهائي - ولو ذاقوا مغبتها من الألم - لأن هذا الألم وسيلة من وسائل التمحيص والتربية والإعداد .
وعلى هذا الموقف الصلب المكشوف تستريح أقدام المسلمين وتطمئن قلوبهم , بلا أرجحة ولا قلق ولا حيرة , وهم يواجهون قدر الله , ويتعاملون مع سنته في الحياة ; وهم يحسون أن الله يصنع بهم في أنفسهم وفيمن حولهم ما يريده , وأنهم أداة من أدوات القدر يفعل بها الله ما يشاء , وأن خطأهم وصوابهم - وكل ما يلقونه من نتائج لخطئهم وصوابهم - متساوق مع قدر الله وحكمته , وصائر بهم إلى الخير ما داموا في الطريق: (وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله . . وليعلم المؤمنين , وليعلم الذين نافقوا , وقيل لهم:تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا , قالوا:لو نعلم قتالا لاتبعناكم . هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان . يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم . والله أعلم بما يكتمون) . .
وهو يشير في هذه الآية إلى موقف عبد الله بن أبي بن سلول , وممن معه , ويسميهم:"الذين نافقوا". . وقد كشفهم الله في هذه الموقعة , وميز الصف الإسلامي منهم . وقرر حقيقة موقفهم يومذاك: (هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان) . . وهم غير صادقين في احتجاجهم بأنهم يرجعون لأنهم لا يعلمون أن هناك قتالا سيكون بين المسلمين والمشركين . فلم يكن هذا هو السبب في حقيقة الأمر , وإنما هم: (يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم) . . فقد كان في قلوبهم النفاق , الذي لا يجعلها خالصة للعقيدة , وإنما يجعل أشخاصهم واعتباراتها فوق العقيدة واعتباراتها . فالذي كان برأس النفاق - عبد الله بن أبي - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يأخذ برأيه يوم أحد . والذي كان به قبل هذا أن قدومه - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة بالرسالة الإلهية حرمه ما كانوا يعدونه له من الرياسة فيهم , وجعل الرياسة لدين الله , ولحامل هذا الدين ! . . فهذا الذي كان في قلوبهم , والذي جعلهم يرجعون يوم أحد , والمشركون على أبواب المدينة , وجعلهم يرفضون الاستجابة إلى المسلم الصادق عبد الله بن عمرو بن حرام , وهو يقول لهم: (تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا) محتجين بأنهم لا يعلمون أن هناك قتالا ! وهذا ما فضحهم الله به في هذه الآية: (والله أعلم بما يكتمون) . .
ثم مضى يكشف بقية موقفهم في محاولة خلخلة الصفوف والنفوس: (الذين قالوا لإخوانهم - وقعدوا - لو أطاعونا ما قتلوا) . .
فهم لم يكتفوا بالتخلف - والمعركة على الأبواب - وما يحدثه هذا التخلف من رجة وزلزلة في الصفوف والنفوس , وبخاصة أن عبد الله بن أبي , كان ما يزال سيدا في قومه , ولم يكشف لهم نفاقه بعد , ولم يدمغه الله بهذا الوصف الذي يهز مقامه في نفوس المسلمين منهم . بل راحوا يثيرون الزلزلة والحسرة في قلوب أهل الشهداء وأصحابهم بعد المعركة , وهم يقولون: (لو أطاعونا ما قتلوا) . .