مجرد تقديم الشعائر التعبدية لغير الله . . فهذه صورة واحدة من صور الشرك الكثيرة التي جاء هود ليخرجهم منها إلى عبادة الله وحده - أي الدينونة له وحده - إنما كانت الفعلة النكراء التي استحقوا من أجلها ذلك الجزاء هي:جحودهم بآيات ربهم , وعصيان رسله . واتباع أمر الجبارين من عبيده: (وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم , وعصوا رسله , واتبعوا أمر كل جبار عنيد) . كما يقول عنهم أصدق القائلين الله رب العالمين . .
وجحودهم بآيات ربهم إنما يتجلى في عصيان الرسل , واتباع الجبارين . .
فهو أمر واحد لا أمور متعددة . .
ومتى عصى قوم أوامر الله المتمثلة في شرائعه المبلغة لهم من رسله بألا يدينوا لغير الله . ودانوا للطواغيت بدلا من الدينونة لله ; فقد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله ; وخرجوا بذلك من الإسلام إلى الشرك - وقد تبين لنا من قبل أن الإسلام هو الأصل الذي بدأت به حياة البشر على الأرض ; فهو الذي نزل به آدم من الجنة واستخلف في هذه الأرض ; وهو الذي نزل به نوح من السفينة واستخلف في هذه الأرض . إنما كان الناس يخرجون من الإسلام إلى الجاهلية , حتى تأتي إليهم الدعوة لتردهم من الجاهلية إلى الإسلام . .
وهكذا إلى يومنا هذا . .
والواقع إنه لو كانت حقيقة العبادة هي مجرد الشعائر التعبدية ما استحقت كل هذا الموكب الكريم من الرسل والرسالات , وما استحقت كل هذه الجهود المضنية التي بذلها الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - وما استحقت كل هذه العذابات والآلام التي تعرض لها الدعاة والمؤمنون على مدار الزمان !
إنما الذي استحق كل هذا الثمن الباهظ هو إخراج البشر جملة من الدينونة للعباد . وردهم إلى الدينونة لله وحده في كل أمر وفي كل شأن ; وفي منهج حياتهم كله للدنيا والآخرة سواء .
إن توحيد الألوهية , وتوحيد الربوبية , وتوحيد القوامة , وتوحيد الحاكمية , وتوحيد مصدر الشريعة , وتوحيد منهج الحياة , وتوحيد الجهة التي يدين لها الناس الدينونة الشاملة . . . إن هذا التوحيد هو الذي يستحق أن يرسل من أجله كل هؤلاء الرسل , وأن تبذل في سبيله كل هذه الجهود ; وأن تحتمل لتحقيقه كل هذه العذابات والآلام على مدار الزمان . .
لا لأن الله سبحانه في حاجة إليه , فالله سبحانه غني عن العالمين . ولكن لأن حياة البشر لا تصلح ولا تستقيم ولا ترتفع ولا تصبح حياة لائقة"بالإنسان"إلا بهذا التوحيد الذي لا حد لتأثيره في الحياة البشرية في كل جانب من جوانبها . [ وهذا ما نرجو أن نزيده بيانا - إن شاء الله - في نهاية قصص الرسل في ختام السورة ] . .
ونقف أمام الحقيقة التي كشف عنها هود لقومه وهو يقول لهم: (ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم , ولا تتولوا مجرمين) . .