وهي ذات الحقيقة التي ذكرت في مقدمة السورة بصدد دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقومه بمضمون الكتاب الذي أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير . وذلك في قوله تعالى: (وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى , ويؤت كل ذي فضل فضله , وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير) . .
إنها حقيقة العلاقة بين القيم الإيمانية والقيم الواقعية في الحياة البشرية , وحقيقة اتصال طبيعة الكون ونواميسه الكلية بالحق الذي يحتويه هذا الدين . . وهي حقيقة في حاجة إلى جلاء وتثبيت ; وبخاصة في نفوس الذينيعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا ; والذين لم تصقل أرواحهم وتشف حتى ترى هذه العلاقة أو على الأقل تستشعرها . .
إن الحق الذي نزل به هذا الدين غير منفصل عن الحق المتمثل في ألوهية الله - سبحانه - والحق الذي خلقت به السماوات والأرض , المتجلي في طبيعة هذا الكون و نواميسه الأزلية . . والقرآن الكريم كثيرا ما يربط بين الحق المتمثل في ألوهية الله - سبحانه - والحق الذي قامت به السماوات والأرض ; والحق المتمثل في الدينونة لله وحده . . والحق المتمثل في دينونة الناس لله يوم الحساب بصفة خاصة , والحق في الجزاء على الخير والشر في الدنيا والآخرة . . وذلك في مثل هذه النصوص:
(وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين . لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا . . إن كنا فاعلين . . بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق , ولكم الويل مما تصفون , وله من في السماوات والأرض , ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون . يسبحون الليل والنهار لا يفترون . أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون ? لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا , فسبحان الله رب العرش عما يصفون . لا يسأل عما يفعل وهم يسألون . أم اتخذوا من دونه آلهة ? قل:هاتوا برهانكم . هذا ذكر من معي وذكر من قبلي , بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون . وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) . . . [ الأنبياء 16 - 25 ] .
(يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب , ثم من نطفة , ثم من علقة , ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة , لنبين لكم , ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى , ثم نخرجكم طفلا , ثم لتبلغوا أشدكم , ومنكم من يتوفى , ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم - من بعد علم - شيئا , وترى الأرض هامدة , فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت , وأنبتت من كل زوج بهيج . . ذلك بأن الله هو الحق , وأنه يحيي الموتى , وأنه على كل شيء قدير , وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور) . . . [ الحج:7 - 5 ]
وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم , وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم . ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم . الملك يومئذ , لله يحكم بينهم , فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم . والذين