(والذين هم عن اللغو معرضون) . . لغو القول , ولغو الفعل , ولغو الاهتمام والشعور . إن للقلب المؤمن ما يشغله عن اللغو واللهو والهذر . .
له ما يشغله من ذكر الله , وتصور جلاله وتدبر آياته في الأنفس والآفاق . وكل مشهد من مشاهد الكون يستغرق اللب , ويشغل الفكر , ويحرك الوجدان . .
وله ما يشغله من تكاليف العقيدة:تكاليفها في تطهير القلب , وتزكية النفس وتنقية الضمير . وتكاليفها في السلوك , ومحاولة الثبات على المرتقى العالي الذي يتطلبه الإيمان . وتكاليفها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , وصيانة حياة الجماعة من الفساد والانحراف . وتكاليفها في الجهاد لحمايتها ونصرتها وعزتها , والسهر عليها من كيد الأعداء . .
وهي تكاليف لا تنتهي , ولا يغفل عنها المؤمن , ولا يعفي نفسه منها , وهي مفروضة عليه فرض عين أو فرض كفاية . وفيها الكفاية لاستغراق الجهد البشري والعمر البشري . والطاقة البشرية محدودة . وهي إما أن تنفق في هذا الذي يصلح الحياة وينميها ويرقيها ; وإما أن تنفق في الهذر واللغو واللهو . والمؤمن مدفوع بحكم عقيدته إلى انفاقها في البناء والتعمير والإصلاح .
ولا ينفي هذا أن يروح المؤمن عن نفسه في الحين بعد الحين . ولكن هذا شيء آخر غير الهذر واللغو والفراغ . . .
(والذين هم للزكاة فاعلون) . .
بعد إقبالهم على الله , وانصرافهم عن اللغو في الحياة . .
والزكاة طهارة للقلب والمال:طهارة للقلب من الشح , واستعلاء على حب الذات , وانتصار على وسوسة الشيطان بالفقر , وثقة بما عند الله من العوض والجزاء . وطهارة للمال تجعل ما بقي منه بعدها طيبا حلالا , لا يتعلق به حق - إلا في حالات الضرورة - ولا تحوم حوله شبهة . وهي صيانة للجماعة من الخلل الذي ينشئه العوز في جانب والترف في جانب , فهي تأمين اجتماعي للأفراد جميعا , وهي ضمان اجتماعي للعاجزين , وهي وقاية للجماعة كلها من التفكك والانحلال .
(والذين هم لفروجهم حافظون) . وهذه طهارة الروح والبيت والجماعة . ووقاية النفس والأسرة والمجتمع . بحفظ الفروج من دنس المباشرة في غير حلال , وحفظ القلوب من التطلع إلى غير حلال ; وحفظ الجماعة من انطلاق الشهوات فيها بغير حساب , ومن فساد البيوت فيها والأنساب
والجماعة التي تنطلق فيها الشهوات بغير حساب جماعة معرضة للخلل والفساد . لأنه لا أمن فيها للبيت , ولا حرمة فيها للأسرة . والبيت هو الوحدة الأولى في بناء الجماعة , إذ هو المحضن الذي تنشأ فيه الطفولة وتدرج ; ولا بد له من الأمن والاستقرار والطهارة , ليصلح محضنا ومدرجا , وليعيش فيه الوالدان مطمئنا كلاهما للآخر , وهما يرعيان ذلك المحضن . ومن فيه من فراخ !