والجماعة التي تنطلق فيها الشهوات بغير حساب جماعة قذرة هابطة في سلم البشرية , فالمقياس الذي لا يخطى ء للارتقاء البشري هو تحكم الإرادة الإنسانية وغلبتها . وتنظيم الدوافع الفطرية في صورة مثمرة نظيفة , لا يخجل الأطفال معها من الطريقة التي جاءوا بها إلى هذا العالم , لأنها طريقة نظيفة معروفة , يعرف فيها كل طفل أباه . لا كالحيوان الهابط الذي تلقى الأنثى فيه الذكر للقاح , وبدافع اللقاح , ثم لا يعرف الفصيل كيف جاء ولا من أين جاء !
والقرآن هنا يحدد المواضع النظيفة التي يحل للرجل أن يودعها بذور الحياة: (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين) . . ومسألة الازواج لا تثير شبهة ولا تستدعي جدلا . فهي النظام المشروع المعروف . أما مسألة ملك اليمين فقد تستدعي شيئا من البيان .
ولقد فصلت القول في مسألة الرق في الجزء الثاني من الظلال , وبينت هناك أن الإسلام قد جاء والرق نظام عالمي . واسترقاق أسرى الحرب نظام دولي . فما كان يمكن والإسلام مشتبك في حروب مع أعدائه الواقفين بالقوة المادية في طريقه أن يلغي هذا النظام من جانب واحد , فيصبح أسارى المسلمين رقيقا عند أعدائه , بينما هو يحرر أسارى الأعداء . . فجفف الإسلام كل منابع الرق - عدا أسرى الحرب - إلى أن يتاح للبشرية وضع نظام دولي للتعامل بالمثل في مسألة الأسرى .
ومن هنا كان يجيء إلى المعسكر الإسلامي أسيرات , تقضي قاعدة التعامل بالمثل باسترقاقهن ومن مقضيات هذا الاسترقاق ألا يرتفعن إلى مستوى الزوجات بالنكاح . فأباح الإسلام حينئذ الاستمتاع بهن بالتسري لمن يملكهن خاصة إلا أن يتحررن لسبب من الأسباب الكثيرة التي جعلها الإسلام سبلا لتحرير الرقيق .
ولعل هذا الاستمتاع ملحوظ فيه تلبية الحاجة الفطرية للأسيرات أنفسهن , كي لا يشبعنها عن طريق الفوضى القذرة في المخالطة الجنسية كما يقع في زماننا هذا مع أسيرات الحرب بعد معاهدات تحريم الرقيق - هذه الفوضى التي لا يحبها الإسلام !
وذلك حتى يأذن الله فيرتفعن إلى مرتبة الحرية . والأمة تصل إلى مرتبة الحرية بوسائل كثيرة . . إذا ولدت لسيدها ثم مات عنها . وإذا أعتقها هو تطوعا أو في كفارة . وإذا طلبت أن تكاتبه على مبلغ من المال فافتدت به رقبتها . وإذا ضربها على وجهها فكفارتها عتقها . . الخ .
وعلى أية حال فقد كان الاسترقاق في الحرب ضرورة وقتية , هي ضرورة المعاملة بالمثل في عالم كله يسترق الأسرى , ولم يكن جزءا من النظام الاجتماعي في الإسلام .
(فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) . . وراء الزوجات وملك اليمين , ولا زيادة بطريقة من الطرق . فمن ابتغى وراء ذلك فقد عدا الدائرة المباحة , ووقع في الحرمات , واعتدى على الأعراض التي لم يستحلها بنكاح ولا بجهاد . وهنا تفسد النفس لشعورها بأنها ترعى في كلأ غير مباح ,