ففي هذا المقطع الختامي يجيء الجواب الأخير , والبيان الأخير . ويريح الله القلوب المتعبة , ويجلو كل خاطرة تتدسس إلى القلوب من هذه الناحية , ويبين سنته وقدره وتدبيره في الأمر كله:أمس واليوم وغدا . وحيثما التقى الحق والباطل في معركة فانتهت بمثل هذه النهاية:
إن ذهاب الباطل ناجيا في معركة من المعارك وبقاءه منتفشا فترة من الزمان , ليس معناه أن الله تاركه , أو أنه من القوة بحيث لا يغلب , أو بحيث يضر الحق ضررا باقيا قاضيا . .
وإن ذهاب الحق مبتلى في معركة من المعارك , وبقاءه ضعيف الحول فترة من الزمان , ليس معناه إن الله مجافيه أو ناسيه ! أو أنه متروك للباطل يقتله ويرديه . .
كلا . إنما هي حكمة وتدبير . . هنا وهناك . . يملي للباطل ليمضي إلى نهاية الطريق ; وليرتكب أبشع الآثام , وليحمل أثقل الأوزار , ولينال أشد العذاب باستحقاق ! . . ويبتلى الحق , ليميز الخبيث من الطيب , ويعظم الأجر لمن يمضي مع الابتلاء ويثبت . . فهو الكسب للحق والخسارة للباطل , مضاعفا هذا وذاك ! هنا وهناك !
(ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر , إنهم لن يضروا الله شيئا , يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة , ولهم عذاب عظيم) . .
إنه يواسي النبي - صلى الله عليه وسلم - ويدفع عنه الحزن الذي يساور خاطره ; وهو يرى المغالين في الكفر , يسارعون فيه , ويمضون بعنف واندفاع وسرعة , كأنما هنالك هدف منصوب لهم يسارعون إلى بلوغه !
وهو تعبير مصور لحالة نفسية واقعية . فبعض الناس يرى مشتدا في طريق الكفر والباطل والشر والمعصية ; كأنه يجهد لنيل السبق فيه ! فهو يمضي في عنف واندفاع وحماسة كأن هناك من يطارده من الخلف , أو من يهتف له من الإمام , إلى جائزة تنال !
وكان الحزن يساور قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حسرة على هؤلاء العباد ; الذين يراهم مشمرين ساعين إلى النار , وهو لا يملك لهم ردا , وهم لا يسمعون له نذارة ! وكان الحزن يساور قلبه كذلك لما يثيره هؤلاء المشمرون إلى النار المسارعون في الكفر , من الشر والأذى يصيب المسلمين , ويصيب دعوة الله , وسيرها بين الجماهير , التي كانت تنتظر نتائج المعركة مع قريش لتختار الصف الذي تنحاز إليه في النهاية . . فلما أسلمت قريش واستسلمت دخل الناس في دين الله أفواجا . . ومما لا شك فيه أنه كان لهذه الاعتبارات وقعها في قلب الرسول الكريم . فيطمئن الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - ويواسي قلبه , ويمسح عنه الحزن الذي يساوره .
(ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر . إنهم لن يضروا الله شيئا) . .
وهؤلاء العباد المهازيل لا يبلغون أن يضروا الله شيئا . والأمر في هذا لا يحتاج إلى بيان . إنما يريد الله سبحانه أن يجعل قضية العقيدة قضيته هو ; وأن يجعل المعركة مع المشركين معركته هو . ويريد أن يرفع عبء هذه العقيدة وعبء هذه المعركة عن عاتق الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعاتق المسلمين جملة . . فالذين