يسارعون في الكفر يحاربون الله , وهم أضعف من أن يضروا الله شيئا . . وهم إذن لن يضروا دعوته . ولن يضروا حملة هذه الدعوة . مهما سارعوا في الكفر , ومهما أصابوا أولياء الله بالأذى .
إذن لماذا يتركهم الله يذهبون ناجين , وينتفشون غالبين , وهم أعداؤه المباشرون ?
لأنه يدبر لهم ما هو أنكى وأخزى !
(يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة) . . يريد لهم أن يستنفدوا رصيدهم كله ; وأن يحملوا وزرهم كله , وأن يستحقوا عذابهم كله , وأن يمضوا مسارعين في الكفر إلى نهاية الطريق !
(ولهم عذاب عظيم) . . ولماذا يريد الله بهم هذه النهاية الفظيعة ? لأنهم استحقوها بشرائهم الكفر بالإيمان .
(إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب أليم) . . ولقد كان الإيمان في متناول أيديهم . دلائله مبثوثة في صفحات الكون , وفي أعماق الفطرة . وأماراته قائمة في"تصميم"هذا الوجود العجيب , وفي تناسقه وتكامله الغريب , وقائمة كذلك في"تصميم"الفطرة المباشرة , وتجاوبها مع هذا الوجود , وشعورها باليد الصانعة , وبطابع الصنعة البارعة . . ثم إن الدعوة إلى الإيمان - بعد هذا كله - قائمة على لسان الرسل , وقائمة في طبيعة الدعوة وما فيها من تلبية الفطرة , ومن جمال التناسق , ومن صلاحية للحياة والناس . .
أجل كان الإيمان مبذولا لهم , فباعوه واشتروا به الكفر , على علم وعن بينة , ومن هنا استحقوا أن يتركهم الله يسارعون في الكفر , ليستنفدوا رصيدهم كله , ولا يستبقوا لهم حظا من ثواب الآخرة . ومن هنا كذلك كانوا أضعف من أن يضروا الله شيئا . فهم في ضلالة كاملة ليس معهم من الحق شيء . ولم ينزل الله بالضلالة سلطانا ; ولم يجعل في الباطل قوة . فهم أضعف من أن يضروا أولياء الله ودعوته , بهذه القوة الضئيلة الهزيلة , مهما انتفشت , ومهما أوقعت بالمؤمنين من أذى وقتي إلى حين !
(ولهم عذاب أليم) . . أشد إيلاما - بما لا يقاس - مما يملكون إيقاعه بالمؤمنين من الآم !
(ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم . إنما نملي لهم ليزدادوا إثما . ولهم عذاب مهين) .
وفي هذه الآية يصل السياق إلى العقدة التي تحيك في بعض الصدور , والشبهة التي تجول في بعض القلوب , والعتاب الذي تجيش به بعض الأرواح , وهي ترى أعداء الله وأعداء الحق , متروكين لا يأخذهم العذاب , ممتعين في ظاهر الأمر , بالقوة والسلطة والمال والجاه ! مما يوقع الفتنة في قلوبهم وفي قلوب الناس من حولهم ; ومما يجعل ضعاف الإيمان يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ; يحسبون أن الله - حاشاه - يرضى عن الباطل والشر والجحود والطغيان , فيملي له ويرخي له العنان ! أو يحسبون أن الله - سبحانه - لا يتدخل في المعركة بين الحق والباطل , فيدع للباطل أن يحطم الحق , ولا يتدخل لنصرته ! أو يحسبون أن هذا الباطل حق , وإلا فلم تركه الله ينمو ويكبر ويغلب ?! أو