فهرس الكتاب

الصفحة 559 من 2003

وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:"يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي ، مَالِي ، وَهَلْ لَكَ مِنْ مَالِكَ إِلاَّ مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَذَاهِبٌ وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ") . ( رَوَاهُ مُسْلِمٌ )

وَأَيُّ شَيءٍ يَمْنَعُكُمْ مِنَ الإِيْمَانِ بِاللهِ ، وَالرَّسُولُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ يَدْعُوكُمْ إِلَى ذَلِكَ ، وَيُبَيِّنُ لَكُم الحُجَجَ والبَرَاهِينَ عَلَى صِحَّةِ مَا جَاءَكُمْ بِهِ ، وَقَدْ أَخَذَ اللهُ عَلَيْكُمُ المِيثَاقَ ، بِمَا نَصَبَ لَكُمْ مِنَ الأَدْلَّةِ فِي الأَنْفُسِ وَالآفَاقِ ، عَلَى وُجُودِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ ، هَذَا إِنْ كُنْتُمْ بِحَاجَةٍ إِلَى دَلِيلٍ لَتُؤْمِنُوا ( أَوْ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالدَّلِيلِ إِذَا جَاءَكُمْ ) .

وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الذِي يُنْزِلُ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - آيَاتٍ وَاضِحَاتٍ ، لِيُخْرِجَكُمْ بِهَا مِنْ ظُلُمَاتِ الكُفْرِ ، إِلَى نُورِ الإِيْمَانِ ، ومِنَ الضَّلاَلَةِ إِلَى الهُدَى ، وَمِنْ رَأْفَتِهِ بِكُمْ جَعَلَ لَكُمْ عُقُولًا وَأَفْهَامًا للتَّفَكُّرِ وَالتَّدَبُّرِ فِي آيَاتِ اللهِ ، وَأَرْسَلَ إِلَيْكُم الرُّسُلَ بِالكُتُبِ مِنْهُ تَعَالَى لِتَهْتَدُوا بِهَا إِلَى الإِيْمَانِ بِاللهِ ، وَإِلَى عَمَلِ الخَيْرِ ، وَالإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللهِ ، لِيُدْخِلَكُمُ الجَنَّةَ وَيُجَنِّبَكُمْ عَذَابَ النَّارِ ، وَاللهُ عَظِيمُ الرَأْفَةِ بِالعِبَادِ ، وَاسِعُ الرَّحْمَةِ لَهُمْ .

وَمَا لَكُم يَا أَيُّها النَّاسُ لاَ تُنْفِقُونَ مِنْ أَمْوالِكم فِي سَبيلِ اللهِ؟ أَتَخْشَوْنَ الفَقْرَ إِنْ أَنْفَقْتُمْ؟ أَنْفِقُوا وَلاَ تَخْشَوْا شَيْئًا ، فَإِنَّ الذِي أَنْفَقْتُمْ أَمْوالَكُمْ فِي سَبِيلهِ هُوَ مَالكُ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ ، وَقَدْ تَكَفَّلَ بِرِزْقِكُمْ ، وَبِالإِخْلاَفِ عَلَيكُم { وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ } . ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالى تَفَاوَتَ دَرَجَاتِ المُنْفِقِينَ ، بِحَسَبِ تَفَاوُتِ أَحْوَالِهم ، فَقالَ: إِنَّهُ لاَ يَسْتَوي مَنْ آمَنَ ، وَهَاجَرَ ، وَأَنْفَقَ مَالَهُ في سَبِيلِ اللهِ ، قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ ( أَوْ قَبْلَ صُلْحِ الحَدَيْبِيَةِ عَلَى قَوْلٍ ) ، مَعَ مَنْ آمنَ ، وَأَنْفَقَ بَعْدَ الفَتْحِ ، فَالأَوَّلُونَ أَعْظَمُ دَرجةً عِنْدَ الله ، لأنَّ المُؤْمِنينَ قَبْلَ الفَتْحِ كَانُوا قَليلي العَدَدِ ، وَواجِبَاتُهُمْ كَثِيرةٌ وَثَقِيلةٌ ، أَمَّا بَعْدَ الفَتْحِ فَقَدِ انْتَشَرَ الإِسْلامُ ، وَأَمِنَ النَّاسُ . وَاللهُ عَلِيمٌ خَبِيرٌ بِمَا يَعْمَلُهُ العِبَادُ .

( وَجَاءَ عَنْ رَسُولِ الله قَوْلُهُ:"لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ جَبَلِ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ") . ( رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ) .

مَنْ هَذَا الذِي يُنْفِقُ مَالَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ ، وَطَمَعًا فِي مَثُوبَتِهِ وَمَرْضَاتِهِ ، مُحْتَسِبًا أَجْرَهُ عِنْدَ اللهِ ، فَيَعُدُّ اللهُ لَهُ ذَلِكَ قَرْضًا للهِ تَعَالَى ، فَيُضَاعِفُ لَهُ ذَلِكَ القَرْضَ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ، وَيُثيبُهُ مَثُوبَةً كَرِيمةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ يَوْمَ القِيَامَةِ؟

إن الله - سبحانه- يخاطب القلوب التي خلقها ، فهو يعلم أحوالها ، ويعرف مداخلها ، ويطلع على خوافيها . . وهو يعلم أن نقاء العقيدة ، وخلوص القلب واستقرار حقيقة الإيمان استقرارًا تنبثق منه آثاره ونتائجه في واقع الحياة ، من بذل وتضحية وتقدمه خالصة لله . أن هذا أمر يكلف الطاقة البشرية كثيرًا؛ ويحتاج منها إلى جهد ومجاهدة طويلة . ومن ثم يحشد لها هذه الإيقاعات وهذه المؤثرات؛ ويكشف لها عن الحقائق الكونية لتراها وتتأثر بها ، وتزن كل شيء بميزانها الكبير الدقيق . ويعالجها المرة بعد المرة ، والخطوة بعد الخطوة؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت