فهرس الكتاب

الصفحة 560 من 2003

ولا يكلها إلى هتاف واحد ، أو بيان واحد ، أو مؤثر واحد يوقع على أوتارها ثم يغيب . . ومنهج القرآن الإلهي في علاج القلوب جدير بأن يقف الدعاة إلى الله أمامه طويلًا؛ ليتدبروه ويحاولوا أن يقلدوه!

إن الإيقاعات الأولى في مطلع السورة من القوة والتوالي والعمق والتاثير ، بحيث تزلزل القلوب الجامدة ، وتلين القلوب القاسية وتدعها مرهفة الحساسية . ولكن القرآن لا يكل قلوب المخاطبين إلى هذه اللمسات الأولى ، وهو يدعوهم إلى الإيمان والبذل في الفقرة التالية . { آمنوا بالله ورسوله ، وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه } .

والمخاطبون هنا هم مسلمون ، ولكنهم يُدعون إلى الإيمان بالله ورسوله . فهي إذن حقيقة الإيمان يدعون لتحقيقها في قلوبهم بمعناها . وهي لفتة دقيقة . وهم يُدعون إلى الإنفاق ، ومع الدعوة لمسة موحية . فهم لا ينفقون من عند أنفسهم . إنما ينفقون مما استخلفهم الله فيه من ملكه . وهو الذي { له ملك السماوات والأرض } . . فهو الذي استخلف بني آدم جملة في شيء من ملكه . وهو { يحي ويميت } . . فهو الذي استخلف جيلا ًمنهم بعد جيل .وهكذا ترتبط هذه الإشارة بما سبق من الحقائق الكلية في مطلع السورة . ثم تقوم هي بدورها في استثارة الخجل والحياء من الله ، وهو المالك الذي استخلفهم وأعطاهم ، فماذا هم قائلون حين يدعوهم إلى إنفاق شيء مما استخلفهم فيه ومما أعطاهم؟! وفي نهنهة النفوس عن الشح ، والله هو المعطي ولا نفاد لما عنده فماذا يمسكهم عن البذل والعطاء ، وما في أيديهم رهن بعطاء الله؟!

ولكنه لا يكلهم إلى هذا التذكير وما يثيره من خجل وحياء ، ومن سماحة ورجاء . إنما يخاطبهم بمؤثر جديد . يخجلهم من كرم الله ويطمعهم في فضله: { فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير } . .

فكيف يتخلف متخلف عن الإيمان والبذل في مواجهة هذا الكرم والفضل؟

غير أن القرآن لا يكلهم إلى هذه اللمسات الأولى .إنما يلح على قلوبهم بموحيات الإيمان وموجباته من واقع حياتهم وملابساتها: { وما لكم لا تؤمنون بالله ، والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم ، وقد أخذ ميثاقكم ، إن كنتم مؤمنين . هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات الى النور . وإن الله بكم لرؤوف رحيم } . .

فما الذي يعوقهم عن الإيمان - حق الإيمان - وفيهم الرسول يدعوهم إلى الإيمان . وقد بايعوه عليه وأعطوه ميثاقهم؟ وما الذي يعوقهم عن الإيمان بالله وهو ينزل على عبده آيات بينات تخرجهم من ظلمات الضلال والشك والحيرة إلى نور الهدى واليقين والطمأنينة؟ وفي هذا وذاك من دلائل الرأفة والرحمة بهم ما فيه .

إن نعمة وجود الرسول بين القوم ، يدعوهم بلغة السماء ، ويخاطبهم بكلام الله ، ويصل بينهم وبين الله في ذوات نفوسهم وخواص شؤونهم . . نعمة فوق التصور حين نتملاها نحن الآن من بعيد . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت