فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 2003

الفترات , وكما يمكن أن يتحقق دائما كلما بذلت محاولة جادة - ما لم يبلغه وما لا يبلغه أي منهج آخر من صنع البشر على الإطلاق .

ولكن الخطأ كله - كما تقدم - ينشأ من عدم الإدراك لطبيعة هذا الدين أو نسيانها ; ومن انتظار الخوارق التي لا ترتكن على الواقع البشري ; والتي تبذل فطرة الإنسان , وتنشئه نشأة أخرى , لا علاقة لها بفطرته وميوله واستعداده وطاقاته , وواقعه المادي كله !

أليس هو من عند الله ? أليس دينا من عند القوة القادرة التي لا يعجزها شيء ? فلماذا إذن يعمل فقط في حدود الطاقة البشرية ? ولماذا يحتاج إلى الجهد البشري ليعمل ? ثم لماذا لا ينتصر دائما ? ولا ينتصر أصحابه دائما ? لماذا تغلب عليه ثقلة الطبع والشهوات والواقع المادي أحيانا ? ولماذا يغلب أهل الباطل على أصحابه وهم أهل الحق أحيانا ?

وكلها - كما نرى - أسئلة وشبهات تنبع من عدم إدراك الحقيقة الأولية البسيطة لطبيعة هذا الدين وطريقته أو نسيانها !

إن الله قادر - طبعا - على تبديل فطرة الإنسان - عن طريق هذا الدين أو من غير طريقه - وكان قادرا على أن يخلقه منذ البدء بفطرة أخرى . . ولكنه شاء أن يخلق الإنسان بهذه الفطرة . وشاء أن يجعل لهذا الإنسان إرادة واستجابة . وشاء أن يجعل الهدى ثمرة للجهد والتلقي والاستجابة . وشاء أن تعمل فطرة الإنسان دائما , ولا تمحى , ولا تبدل , ولا تعطل . وشاء أن يتم تحقيق منهجه للحياة في حياة البشر عن طريق الجهد البشري , وفي حدود الطاقة البشرية . وشاء أن يبلغ"الإنسان"من هذا كله بقدر ما يبذل من الجهد في حدود ملابسات حياته الواقعة .

وليس لأحد من خلقه أن يسأله:لماذا شاء هذا ? ما دام أن أحدا من خلقه ليس إلها ! وليس لديه العلم , ولا إمكان العلم , بالنظام الكلي للكون , وبمقتضيات هذا النظام في طبيعة كل كائن في هذا الوجود , وبالحكمة المغيبة وراء خلق كل كائن بهذا"التصميم"الخاص !

و"لماذا ?"- في هذا المقام - سؤال لا يسأله مؤمن جاد , ولا يسأله كذلك ملحد جاد . . المؤمن لا يسأله , لأنه أكثر أدبا مع الله - الذي يعرفه قلبه بحقيقته وصفاته - وأكثر معرفة بأن الإدراك البشري لم يهيأ للعمل في هذا المجال . . والكافر لا يسأله , لأنه لا يعترف بالله ابتداء . فإن اعترف بألوهيته عرف معها أن هذا شأنه - سبحانه - ومقتضى ألوهيته !

ولكنه سؤال قد يسأله هازل مائع . لا هو مؤمن جاد , ولا هو ملحد جاد . . ومن ثم لا ينبغي الاحتفال به ولا الجد في أخذه !

وقد يسأله جاهل بحقيقة الألوهية . . فالسبيل لإجابة هذا الجاهل ليس هو الجواب المباشر . إنما هو تعريفه بحقيقة الألوهية - حتى يعرفها فهو مؤمن , أو ينكرها فهو ملحد . . وبهذا ينتهي الجدل إلا أن يكون مراء !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت