فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 2003

ليس لأحد من خلق الله إذن أن يسأله - سبحانه - لماذا شاء أن يخلق الكائن الإنساني بهذه الفطرة ? ولماذا شاء أن تبقى فطرته هذه عاملة , لا تمحى , ولا تعدل , ولا تعطل ! ولماذا شاء أن يجعل المنهج الإلهي يتحقق في حياته عن طريق الجهد البشري , وفي حدود الطاقة البشرية ?

ولكن لكل أحد من خلقه أن يدرك هذه الحقيقة ; ويراها وهي تعمل في واقع البشرية , ويفسر التاريخ البشري على ضوئها ; فيفقه خط سير التاريخ من ناحية , ويعرف كيف يوجه هذا الخط من ناحية أخرى .

هذا المنهج الإلهي الذي يمثله الإسلام - كما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - لا يتحقق في الأرض في دنيا الناس , بمجرد تنزله من عند الله . ولا يتحقق بمجرد إبلاغه للناس وبيانه . ولا يتحقق بالقهر الإلهي على نحو ما يمضي الله ناموسه في دورة الفلك وسير الكواكب , وترتب النتائج على أسبابها الطبيعية . . إنما يتحقق بأن تحمله مجموعة من البشر , تؤمن به إيمانا كاملا , وتستقيم عليه - بقدر طاقتها - وتجعله وظيفة حياتها وغاية آمالها ; وتجهد لتحقيقه في قلوب الآخرين وفي حياتهم العملية كذلك ; وتجاهد لهذه الغاية بحيث لا تستبقي جهدا ولا طاقة . . تجاهد الضعف البشري , والهوى البشري , والجهل البشري في أنفسها وأنفس الآخرين . وتجاهد الذين يدفعهم الضعف والهوى والجهل للوقوف في وجه هذا المنهج . . وتبلغ - بعد ذلك كله - من تحقيق هذا المنهج الإلهي إلى الحد والمستوى الذي تطيقه فطرة البشر . على أن تبدأ بالبشر من النقطة التي هم فيها فعلا ; ولا تغفل واقعهم , ومقتضيات هذا الواقع , في سير مراحل هذا المنهج وتتابعها . . ثم تنتصر هذه المجموعة على نفسها وعلى نفوس الناس معها تارة ; وتنهزم في المعركة مع نفسها أو مع نفوس الناس تارة . بقدر ما تبذل من الجهد ; وبقدر ما تتخذ من الأساليب العملية ; وبقدر ما توفق في اختيار هذه الأساليب . . وقبل كل شيء , وقبل كل جهد , وقبل كل وسيلة . . هنالك عنصر آخر:هو مدى تجرد هذه المجموعة لهذا الغرض . ومدى تمثيلها لحقيقة هذا المنهج في ذات نفسها ; ومدى ارتباطها بالله صاحب هذا المنهج , وثقتها به , وتوكلها عليه .

هذه هي حقيقة هذا الدين وطريقته , وهذه هي خطته الحركية ووسيلته . .

وهذه هي الحقيقة التي شاء الله أن يعلمها للجماعة المسلمة , وهو يربيها بأحداث معركة أحد ; وبالتعقيب على هذه الأحداث . .

حينما قصرت في تمثيل حقيقة هذا الدين في ذات نفسها في بعض مواقف المعركة . وحينما قصرت في اتخاذ الوسائل العملية في بعض مواقفها . وحينما غفلت عن تلك الحقيقة الأولية أو نسيتها ; وفهمت أنه من مقتضى كونها مسلمة أن تنتصر حتما بغض النظر عن تصورها وتصرفها - حينئذ تركها الله تلاقي الهزيمة ; وتعاني آلامها المريرة . ثم جاء التعقيب القرآني يردها إلى تلك الحقيقة: (أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم:أنى هذا ? قل هو من عند أنفسكم . إن الله على كل شيء قدير) . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت