فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 2003

ولكنه - كما قلنا في سياق الاستعراض للنصوص - لا يترك المسلمين عند هذه النقطة , بل يصلهم بقدر الله من وراء الأسباب والنتائج ; ويكشف لهم عن إرادة الخير بهم من وراء الابتلاء , الذي وقع بأسبابه الظاهرة من تصرفاتهم الواقعة . .

إن ترك المنهج الإلهي يعمل ويتحقق عن طريق الجهد البشري , ويتأثر بتصرف البشر إزاءه . . هو خير في عمومه , فهو يصلح الحياة البشرية ولا يفسدها أو يعطلها ; ويصلح الفطرة البشرية ويوقظها ويردها إلى سوائها . . ذلك أن حقيقة الإيمان لا يتم تمامها في قلب حتى يتعرض لمجاهدة الناس في أمر هذا الإيمان . مجاهدتهم باللسان بالتبليغ والبيان ; ومجاهدتهم باليد لدفعهم من طريق الهدى حين يعترضونه بالقوة الباغية . . وحتى يتعرض في هذه المجاهدة للابتلاء والصبر على الجهد , والصبر على الأذى , والصبر على الهزيمة , والصبر على النصر أيضا - فالصبر على النصر أشق من الصبر على الهزيمة - وحتى يتمحص القلب , ويتميز الصف , وتستقيم الجماعة على الطريق , وتمضي فيه راشدة صاعدة , متوكلة على الله .

حقيقة الإيمان لا يتم تمامها في قلب حتى يتعرض لمجاهدة الناس في أمر هذا الإيمان . لأنه يجاهد نفسه أولا في أثناء مجاهدته للناس ; وتتفتح له في الإيمان آفاق لم تكن لتتفتح له أبدا , وهو قاعد آمن سالم ; وتتبين له حقائق في الناس , وفي الحياة , لم تكن لتتبين له أبدا بغير هذه الوسيلة ; ويبلغ هو بنفسه وبمشاعره وتصوراته , وبعاداته وطباعه , وبانفعالاته واستجاباته , ما لم يكن ليبلغه أبدا , بدون هذه التجربة الشاقة المريرة .

وحقيقة الإيمان لا يتم تمامها في جماعة , حتى تتعرض للتجربة والامتحان والابتلاء , وحتى يتعرف كل فرد فيها على حقيقة طاقته , وعلى حقيقة غايته ; ثم تتعرف هي على حقيقة اللبنات التي تتألف منها . مدى احتمال كل لبنة , ثم مدى تماسك هذه اللبنات في ساعة الصدام .

وهذا ما أراد الله - سبحانه - أن يعلمه للجماعة المسلمة , وهو يربيها بالأحداث في"أحد"وبالتعقيب على هذه الأحداث في هذه السورة . وهو يقول لها , بعد بيان السبب الظاهر في ما أصابها: (وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله , وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا) . . وهو يقول: (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب) . ثم . . وهو يردهم إلى قدر الله وحكمته من وراء الأسباب والوقائع جميعا ; فيردهم إلى حقيقة الإيمان الكبرى التي لا يتم إلا باستقرارها في النفس المؤمنة: (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله , وتلك الأيام نداولها بين الناس . وليعلم الله الذين آمنوا , ويتخذ منكم شهداء . والله لا يحب الظالمين , وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين) . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت