وإذن فهو - في النهاية - قدر الله وتدبيره وحكمته , من وراء الأسباب والأحداث والأشخاص والحركات . . وهو التصور الإسلامي الشامل الكامل , يستقر في النفس من وراء الأحداث , والتعقيب المنير على هذه الأحداث .
2-وتمخضت المعركة والتعقيب عليها عن حقيقة أساسية كبيرة عن طبيعة النفس البشرية وطبيعة الفطرة الإنسانية , وطبيعة الجهد البشري , ومدى ما يمكن أن يبلغه في تحقيق المنهج الإلهي:
إن النفس البشرية ليست كاملة - في واقعها - ولكنها في الوقت ذاته قابلة للنمو والارتقاء , حتى تبلغ أقصى الكمال المقدر لها في هذه الأرض .
وها نحن أولاء نرى قطاعا من قطاعات البشرية - كما هو وعلى الطبيعة - ممثلا في الجماعة التي تمثل قمة الأمة التي يقول الله عنها: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) . . وهم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - المثل الكامل للنفس البشرية على الإطلاق . . فماذا نرى ? نرى مجموعة من البشر , فيهم الضعف وفيهم النقص , وفيهم من يبلغ أن يقول الله عنهم: (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم) . ومن يبلغ أن يقول الله عنهم: (حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر , وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون , منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة , ثم صرفكم عنهم) . . وفيهم من يقول الله عنهم: (إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا , والله وليهما , وعلى الله فليتوكل المؤمنون) . . وفيهم من ينهزم وينكشف , وتبلغ منهم الهزيمة ما وصفه الله سبحانه بقوله: إذ تصعدون ولا تلوون على أحد , والرسول يدعوكم في أخراكم . فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم . .
وكل هؤلاء مؤمنون مسلمون ; ولكنهم كانوا في أوائل الطريق . كانوا في دور التربية والتكوين . ولكنهم كانوا جادين في أخذ هذا الأمر , مسلمين أمرهم لله , مرتضين قيادته , ومستسلمين لمنهجه . ومن ثم لم يطردهم الله من كنفه , بل رحمهم وعفا عنهم ; وأمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يعفو عنهم , ويستغفر لهم , وأمره أن يشاورهم في الأمر , بعد كل ما وقع منهم , وبعد كل ما وقع من جراء المشورة ! نعم إنه - سبحانه -تركهم يذوقون عاقبة تصرفاتهم تلك , وابتلاهم ذلك الابتلاء الشاق المرير . . ولكنه لم يطردهم خارج الصف , ولم يقل لهم:إنكم لا تصلحون لشيء من هذا الأمر , بعد ما بدا منكم في التجربة من النقص والضعف . . لقد قبل ضعفهم هذا ونقصهم , ورباهم بالابتلاء , ثم رباهم بالتعقيب على الابتلاء , والتوجيه إلى ما فيه من عبر وعظات . في رحمة وفي عفو وفي سماحة ; كما يربت الكبير على الصغار ; وهم يكتوون بالنار , ليعرفوا ويدركوا وينضجوا . وكشف لهم ضعفهم , ومخبآت نفوسهم , لا ليفضحهم بها , ويرذلهم , ويحقرهم , ولا ليرهقهم ويحملهم ما لا يطيقون له حملا . ولكن ليأخذ بأيديهم , ويوحي إليهم أن يثقوا بأنفسهم ولا يحتقروها ولا ييأسوا من الوصول ما داموا موصولين بحبل الله المتين .