فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 2003

ثم وصلوا . . وصلوا في النهاية , وغلبت فيهم النماذج التي كانت في أول المعركة معدودة . وإذا هم في اليوم التالي للهزيمة والقرح , يخرجون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير هيابين ولا مترددين ولا وجلين من تخويف الناس لهم حتى استحقوا تنويه الله بهم: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم , فزادهم إيمانا , وقالوا:حسبنا الله ونعم الوكيل) . .

ولما كبروا بعد ذلك شيئا فشيئا . . تغيرت معاملتهم , وحوسبوا كما يحاسب الرجال الكبار . بعد ما كانوا يربتون هنا كما يربت الأطفال ! والذي يراجع غزوة تبوك في سورة براءة ; ومؤاخذة الله ورسوله للنفر القلائل المتخلفين , تلك المؤاخذة العسيرة , يجد الفرق واضحا في المعاملة ; ويجد الفرق واضحا في مراحل التربية الإلهية العجيبة . كما يجد الفارق بين القوم يوم أحد , والقوم يوم تبوك . . وهم هم . . ولكن بلغت بهم التربية الإلهية هذا المستوى السامق . . ولكنهم مع هذا ظلوا بشرا . وظل فيهم الضعف , والنقص , والخطأ . ولكن ظل فيهم كذلك الاستغفار والتوبة والرجوع إلى الله

إنها الطبيعة البشرية التي يحافظ عليها هذا المنهج ; ولا يبدلها أو يعطلها , ولا يحملها ما لا تطيق . وإن بلغ بها أقصى الكمال المقدر لها في هذه الأرض .

وهذه الحقيقة ذات قيمة كبيرة في إعطاء الأمل الدائم للبشرية , لتحاول وتبلغ , في ظل هذا المنهج الفريد . فهذه القمة السامقة التي بلغتها تلك الجماعة , إنما بدأت تنهد إليها من السفح الذي التقطها منه . وهذه الخطى المتعثرة في الطريق الشاق زاولتها جماعة بشرية متخلفة في الجاهلية . متخلفة في كل شيء . على النحو الذي عرضنا نماذج منه في سياق هذا الدرس . . وكل ذلك يعطي البشرية أملا كبيرا في إمكان الوصول إلى ذلك المرتقى السامي , مهما تكن قابعة في السفح . ولا يعزل هذه الجماعة الصاعدة , فيجعلها وليدة معجزة خارقة لا تتكرر . فهي ليست وليدة خارقة عابرة . إنما هي وليدة المنهج الإلهي , الذي يتحقق بالجهد البشري , في حدود الطاقة البشرية - والطاقة البشرية كما نرى قابلة للكثير !

هذا المنهج يبدأ بكل جماعة من النقطة التي هي فيها , ومن الواقع المادي الذي هي فيه . ثم يمضي بها صعدا كما بدأ بتلك الجماعة من الجاهلية العربية الساذجة . . من السفح . . ثم انتهى بها في فترة وجيزة لم تبلغ ربع قرن من الزمان , إلى ذلك الأوج السامق . .

شرط واحد لا بد أن يتحقق . . أن تسلم الجماعات البشرية قيادها لهذا المنهج . أن تؤمن به . وأن تستسلم له . وأن تتخذه قاعدة حياتها , وشعار حركتها , وحادي خطاها في الطريق الشاق الطويل

3 -وحقيقة ثالثة تمخضت عنها المعركة والتعقيب عليها . . حقيقة الارتباط الوثيق في منهج الله بين واقع النفس المسلمة والجماعة المسلمة , وبين كل معركة تخوضها مع أعدائها في أي ميدان . الارتباط بين العقيدة والتصور والخلق والسلوك والتنظيم السياسي والاقتصادي والاجتماعي . . وبين النصر أو الهزيمة في كل معركة . . فكل هذه عوام أساسية فيما يصيبها من نصر أو هزيمة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت