فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 2003

والمنهج الإلهي - من ثم - يعمل في مساحة هائلة في النفس الإنسانية وفي الحياة البشرية . مساحة متداخلة الساحات والنقط والخطوط والخيوط , متكاملة في الوقت ذاته وشاملة . والخطة يصيبها الخلل والفشل حين يختل الترابط والتناسق بين هذه الساحات كلها والنقط والخطوط والخيوط . . وهذه ميزة ذلك المنهج الكلي الشامل , الذي يأخذ الحياة جملة , ولا يأخذها مزقا وتفاريق . والذي يتناول النفس والحياة من أقطارها جميعا , ويلم خيوطها المتشابكة المتباعدة , في قبضته , فيحركها كلها حركة واحدة متناسقة , لا تصيب النفس بالفصام , ولا تصيب الحياة بالتمزق والانقسام .

ومن نماذج هذا التجميع , وهذه الارتباطات المتداخلة الكثيرة حديثه - في التعقيب القرآني - عن الخطيئة , وأثرها في النصر والهزيمة . فهو يقرر أن الهزيمة كانت موصولة بالشيطان الذي استغل ضعف الذين تولوا بسبب مما كسبوا: (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا) . . كما يقرر أن الذين قاتلوا مع الأنبياء ووفوا - وهم النموذج الذي يطلب إلى المؤمنين الاقتداء به - بدأوا المعركة بالاستغفار من الذنوب:

وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148) [آل عمران: 146 - 148] . .

وفي توجيهاته للجماعة المسلمة يسبق نهيه لها عن الوهن والحزن في المعركة , توجيهها للتطهر والاستغفار: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم , وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين , الذين ينفقون في السراء والضراء , والكاظمين الغيظ , والعافين عن الناس , والله يحب المحسنين , والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم , ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم - ومن يغفر الذنوب إلا الله - ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون) . . ومن قبل يذكر عن سبب ذلة أهل الكتاب وانكسارهم:الاعتداء والمعصية: (ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا - إلا بحبل من الله وحبل من الناس - وباؤوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة . ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله , ويقتلون الأنبياء بغير حق , ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) . .

وكذلك نجد الحديث عن الخطيئة والتوبة , يتخلل التعقيب على أحداث الغزوة , كما نجد الكلام عن"التقوى"وتصوير حالات المتقين , يتخلل سياق السورة كلها بوفرة ملحوظة . ويربط بين جو السورة كلها - على اختلاف موضوعاتها - وجو المعركة . كما نجد الدعوة إلى ترك الربا , وإلى طاعة الله والرسول , وإلى العفو عن الناس , وكظم الغيظ , والإحسان , . . وكلها تطهير للنفس وللحياة وللأوضاع الاجتماعية . . والسورة كلها وحدة متماسكة في التوجيه إلى هذا الهدف الأساسي إلهام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت