4 -وحقيقة رابعة . . عن طبيعة منهج التربية الإسلامي . . فهو يأخذ الجماعة المسلمة بالأحداث , وما تنشئه في النفوس من مشاعر وانفعالات واستجابات , ثم يأخذهم بالتعقيب على الأحداث . . على النحو الذي يمثله التعقيب القرآني على غزوة أحد . . وهو في التعقيب يتلمس كل جانب من جوانب النفس البشرية تأثر بالحادثة , ليصحح تأثره , ويرسب فيه الحقيقة التي يريد لها أن تستقر وتستريح ! وهو لا يدع جانبا من الجوانب , ولا خاطرة من الخواطر , ولا تصورا من التصورات , ولا استجابة من الاستجابات , حتى يوجه إليها الأنظار ,ويسلط عليها الأنوار , ويكشف عن المخبوء منها في دروب النفس البشرية ومنحنياتها الكثيرة , ويقف النفس تجاهها مكشوفة عارية ; وبذلك يمحص الدخائل , وينظفها ويطهرها في وضح النور ; ويصحح المشاعر والتصورات والقيم ; ويقر المبادئ التي يريد أن يقوم عليها التصور الإسلامي المتين , وأن تقوم عليها الحياة الإسلامية المستقرة . . مما يلهم وجود اتخاذ الأحداث التي تقع للجماعة المسلمة في كل مكان وسيلة للتنوير والتربية على أوسع نطاق . .
وننظر في التعقيب على غزوة أحد , فنجد الدقة والعمق والشمول . . الدقة في تناول كل موقف , وكل حركة , وكل خالجة ; والعمق في التدسس إلى أغوار النفس ومشاعرها الدفينة ; والشمول لجوانب النفس وجوانب الحادث . ونجد التحليل الدقيق العميق الشامل للأسباب والنتائج . والعوامل المتعددة الفاعلة في الموقف , المسيرة للحادث , كما نجد الحيوية في التصوير والإيقاع والإيحاء ; بحيث تتماوج المشاعر مع التعبير والتصوير تماوجا عميقا عنيفا , ولا تملك أن تقف جامدة أمام الوصف , والتعقيب . فهو وصف حي , يستحضر المشاهد - كما لو كانت تتحرك - ويشيع حولها النشاط المؤثر والإشعاع النافذ , والإيحاء المثير .
5 -وحقيقة خامسة كذلك . . عن واقعية المنهج الإلهي . . فمن وسائل هذا المنهج لإنشاء آثاره في عالم الواقع , مزاولته بالفعل , فهو لا يقدم مبادئ نظرية , ولا توجيهات مجردة . . ولكنه يطبق ويزاول نظرياته وتوجيهاته . وأظهر مثل على واقعية المنهج في هذه الغزوة , هو موقفه إزاء مبدأ الشورى . .
لقد كان في استطاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجنب الجماعة المسلمة تلك التجربة المريرة , التي تعرضت لها - وهي بعد ناشئة ومحاطة بالأعداء من كل جانب , والعدو رابض في داخل أسوارها ذاتها - نقول كان في استطاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجنب الجماعة المسلمة تلك التجربة المريرة التي تعرضت لها , لو أنه قضى برأيه في خطة المعركة , مستندا إلى رؤياه الصادقة ; وفيها ما يشير إلى أن المدينة درع حصينة ; ولم يستشر أصحابه , أو لم يأخذ بالرأي الذي انجلت المشورة عن رجحانه في تقدير الجماعة ! أو لو أنه رجع عن الرأي عندما سنحت له فرصة الرجوع , وقد خرج من بيته , فرأى أصحاب هذا الرأي نادمين أن يكونوا قد استكرهوه على غير ما يريد !