فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 2003

ولكنه - وهو يقدر النتائج كلها - أنفذ الشورى . وأنفذ ما استقرت عليه , ذلك كي تجابه الجماعة المسلمة نتائج التبعة الجماعية , وتتعلم كيف تحتمل تبعة الرأي , وتبعة العمل . لأن هذا في تقديره - صلى الله عليه وسلم - وفي تقدير المنهج الإسلامي الذي ينفذه , أهم من اتقاء الخسائر الجسيمة , ومن تجنيب الجماعة تلك التجربة المريرة . فتجنيب الجماعة التجربة معناه حرمانها الخبرة , وحرمانها المعرفة , وحرمانها التربية !

ثم يجيء الأمر الإلهي له بالشورى - بعد المعركة كذلك - تثبيتا للمبدأ في مواجهة نتائجه المريرة . فيكون هذا أقوى وأعمق في إقراره من ناحية , وفي إيضاح قواعد المنهج من ناحية . .

إن الإسلام لا يؤجل مزاولة المبدأ حتى تستعد الأمة لمزاولته ! فهو يعلم أنها لن تستعد أبدا لمزاولته إلا إذا زاولته فعلا , وإن حرمانها من مزاولة مبادى ء حياتها الأساسية - كمبدأ الشورى - شر من النتائج المريرة التي تتعرض لها في بدء استعماله , وأن الأخطاء في مزاولته - مهما بلغت من الجسامة - لا تبرر إلغاءه , بل لا تبرر وقفة فترة من الوقت , لأنه إلغاء أو وقف لنموها الذاتي , ونمو خبرتها بالحياة والتكاليف . بل هو إلغاء لوجودها كأمة إطلاقا !

وهذا هو الإيحاء المستفاد من قوله تعال - بعد كل ما كان من نتائج الشورى في المعركة: (فاعف عنهم ,واستغفر لهم , وشاورهم في الأمر) .

كما أن المزاولة العملية للمبادىء النظرية تتجلى في تصرف الرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما رفض أن يعود إلى الشورى بعد العزم على الرأي المعين , واعتباره هذا ترددا وأرجحة . وذلك لصيانة مبدأ الشورى ذاته , من أن يصبح وسيلة للتأرجح الدائم , والشلل الحركي . فقال قولته التربوية المأثورة:"ما كان لنبي أن يضع لأمته حتى يحكم الله له". . ثم جاء التوجيه الإلهي الأخير: (فإذا عزمت فتوكل على الله) . . فتطابق - في المنهج - التوجيه والتنفيذ . .

6 -وهناك حقيقة أخيرة نتعلمها من التعقيب القرآني على مواقف الجماعة المسلمة التي صاحبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتي تمثل أكرم رجال هذه الأمة على الله . . وهي حقيقة نافعة لنا في طريقنا إلى استئناف حياة إسلامية بعون الله . .

إن منهج الله ثابت , وقيمه وموازينه ثابتة , والبشر يبعدون أو يقربون من هذا المنهج , ويخطئون ويصيبون في قواعد التصور وقواعد السلوك . ولكن ليس شيء من أخطائهم محسوبا على المنهج , ولا مغيرا لقيمه وموازينه الثابتة .

وحين يخطئ البشر في التصور أو السلوك , فإنه يصفهم بالخطأ . وحين ينحرفون عنه فإنه يصفهم بالانحراف . ولا يتغاضى عن خطئهم وانحرافهم - مهما تكن منازلهم وأقدارهم - ولا ينحرف هو ليجاري انحرافهم !

ونتعلم نحن من هذا , أن تبرئة الأشخاص لا تساوي تشويه المنهج ! وأنه من الخير للأمة المسلمة أن تبقى مبادىء منهجها سليمة ناصعة قاطعة , وأن يوصف المخطئون والمنحرفون عنها بالوصف الذي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت