فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 2003

ثم ضرب الله هذا المثل من إرادتهم هم لأنفسهم , ومن إرادة الله لهم , وبهم , ليستيقنوا أن الخيرة فيما اختاره الله في الأنفال وغير الأنفال ; وأن الناس لا يعلمون إلا ما بين أيديهم والغيب عنهم محجوب . . ضرب لهم هذا المثل من واقعهم الذي بين أيديهم . . من المعركة ذاتها تلك التي يتقاسمون أنفالها . . فما الذي كانوا يريدونه لأنفسهم فيها ? وما الذي أراده الله لهم , وبهم ? وأين ما أرادوه مما أراده الله ? . . إنها نقلة بعيدة في واقع الأمر ; ونقلة بعيدة على مدّ الرؤية والتصور !

كما أخرجك ربك من بيتك بالحق , وإن فريقًا من المؤمنين لكارهون . يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون . وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم , وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ; ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين . ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون . .

إن رد الأنفال لله والرسول , وقسمتها بينهم على السواء , وكراهة بعض المؤمنين لهذه التسوية . . ومن قبل كراهة بعضهم لاختصاص بعض الشباب بالنصيب الأوفر منها . . إنها شأن يشبه شأن إخراج الله لك من بيتك - بالحق - لمقاتلة الفرقة ذات الشوكة ; وكراهة بعض المؤمنين للقتال . . وبين أيديهم العاقبة التي أنتجت هذه الأنفال . .

ولقد سبق لنا في استعراض وقائع الغزوة - من كتب السيرة - أن أبا بكر وعمر قاما فأحسنا حين استشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس معه في أمر القتال , بعدما أفلتت القافلة , وتبين أن قريشًا قد جاءت بشوكتها وقوتها . وأن المقداد بن عمرو قام فقال:يا رسول الله , امض لأمر الله , فنحن معك , والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لنبيها: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون . ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون . . . الخ" [1] . وأن هذا كان كلام المهاجرين . فلما كرر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القول على الناس فهم الأنصار أنه إنما يعنيهم , فقام سعد بن معاذ فقال كلامًا طويلًا قاطعًا مطمئنًا . ."

ولكن هذا الذي قاله أبو بكر وعمر , والذي قاله المقداد , والذي قاله سعد بن معاذ - رضي الله عنهم - لم يكن هو مقالة جميع الذين خرجوا من المدينة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلقد كره بعضهم القتال , وعارض فيه , لأنهم لم يستعدوا لقتال , إنما خرجوا لملاقاة الفئة الضعيفة التي تحرس العير ; فلما أن علموا أن قريشًا قد نفرت بخيلها ورجلها , وشجعانها وفرسانها , كرهوا لقاءها كراهية شديدة , هي هذه الكراهية التي يرسم التعبير القرآني صورتها بطريقة القرآن الفريدة:

(كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ(5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (6) [الأنفال: 5 ، 6] ) !

(1) - انظر دلائل النبوة للبيهقي ( 874 ) ومجمع الزوائد ( 15683) صحيح بغيره

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت