فهرس الكتاب

الصفحة 709 من 2003

واحتبس عنهم المطر ، ودخن الجو حولهم من الحر والجفاف . ثم ساق الله إليهم سحابة ، ففرحوا بها فرحًا شديدًا ، وخرجوا يستقبلونها في الأودية ، وهم يحسبون فيها الماء: { قالوا هذا عارض ممطرنا } . .وجاءهم الرد بلسان الواقع: { بل هو ما استعجلتم به: ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها } . . وهي الريح الصرصر العاتية التي ذكرت في سورة أخرى . كما جاء في صفتها: { ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم } والنص القرآني يصور الريح حية مدركة مأمورة بالتدمير: { تدمر كل شيء بأمر ربها } وهي الحقيقة الكونية التي يحفل القرآن بإشعارها للنفوس . فهذا الوجود حي . وكل قوة من قواه واعية . وكلها تدرك عن ربها وتتوجه لما تكلف به من لدنه . والإنسان أحد هذه القوى . وحين يؤمن حق الإيمان ، ويفتح قلبه للمعرفة الواصلة ، يستطيع أن يعي عن القوى الكونية من حوله ، وأن يتجاوب معها ، وأن تتجاوب معه ، تجاوب الأحياء المدركة ، بغير الصورة الظاهرة التي يعرفها الناس من الحياة والإدراك . ففي كل شيء روح وحياة ، ولكننا لا ندرك هذا لأننا محجوبون بالظواهر والأشكال عن البواطن والحقائق . والكون من حولنا حافل بالأسرار المحجوبة بالأستار ، تدركها البصائر المفتوحة ولا تراها الأبصار .وقد أدت الريح ما أمرت به ، فدمرت كل شيء { فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم }

.أما هم وأما أنعامهم وأما أشياؤهم وأما متاعهم فلم يعد شيء منه يرى . إنما هي المساكن قائمة خاوية موحشة ، لا ديار فيها ولا نافخ نار . . { كذلك نجزي القوم المجرمين } . سنة جارية وقدر مطرد في المجرمين .وعلى مشهد الدمار والخراب يلتفت إلى أمثالهم الحاضرين ، يلمس قلوبهم بما ترتعش منه القلوب { ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه . وجعلنا لهم سمعًا وأبصارًا وأفئدة . فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء . إذ كانوا يجحدون بآيات الله . وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون } . .

هؤلاء الذين دمرتهم الريح المأمورة بالتدمير . مكناهم فيما لم نمكنكم فيه . . إجمالًا . . من القوة والمال والعلم والمتاع . وآتيناهم أسماعًا وأبصارًا وأفئدة - والقرآن يعبر عن قوة الإدراك مرة بالقلب ومرة بالفؤاد ومرة باللب ومرة بالعقل . وكلها تعني الإدراك في صورة من صوره - ولكن هذه الحواس والمدارك لم تنفعهم في شيء . إذ أنهم عطلوها وحجبوها { إذ كانوا يجحدون بآيات الله } . . والجحود بآيات الله يطمس الحواس والقلوب ، ويفقدها الحساسية والإشراق والنور والإدراك . { وحاق به ما كانوا به يستهزئون } . . من العذاب والبلاء . .

والعبرة التي يفيدها كل ذي سمع وبصر وقلب ، ألا يغتر ذو قوة بقوته ، ولا ذو مال بماله ، ولا ذو علم بعلمه . فهذه قوة من قوى الكون تسلط على أصحاب القوة والمال والعلم والمتاع ، فتدمر كل شيء ، وتتركهم { لا يرى إلا مساكنهم } حين يأخذهم الله بسنته التي يأخذ بها المجرمين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت