هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِى سَبِيلِهِ لاَ يُخْرِجُهُ إِلاَّ إِيمَانٌ بِى وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِى أَنْ أُرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ ، أَوْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ ، وَلَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِى مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّى أُقْتَلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا ، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا ، ثُمَّ أُقْتَلُ » [1] .
وقال الله مؤكدًا ذلك النصر (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: 169] ) .
وقال (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ [البقرة: 154] )
ودليل على أن الشهادة نصر بذاتها ما جاء في الصحيحين عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - قَالَ بَعَثَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - أَقْوَامًا مِنْ بَنِى سُلَيْمٍ إِلَى بَنِى عَامِرٍ فِى سَبْعِينَ ، فَلَمَّا قَدِمُوا ، قَالَ لَهُمْ خَالِى أَتَقَدَّمُكُمْ ، فَإِنْ أَمَّنُونِى حَتَّى أُبَلِّغَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَإِلاَّ كُنْتُمْ مِنِّى قَرِيبًا . فَتَقَدَّمَ ، فَأَمَّنُوهُ ، فَبَيْنَمَا يُحَدِّثُهُمْ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - إِذْ أَوْمَئُوا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ ، فَطَعَنَهُ فَأَنْفَذَهُ فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ ، فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ . ثُمَّ مَالُوا عَلَى بَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ فَقَتَلُوهُمْ ،...." [2] "
فكيف لمن قتل وعاين الموت أن يقسم بالفوز، إلا أنه قد وجد ريح الجنة، والأدلة على انتصار المجاهد بنيل الشهادة وحدها كثيرة جدًا بسطها العلماء في أبواب مستقلة في فضائل الشهادة في سبيل الله، فمن رزق الشهادة فقد انتصر النصر المحقق.
المعنى الحادي عشر من معاني النصر:
ومن صور النصر أيضًا النصر الميداني نصر المعركة: نصر العزة والتمكين في الأرض وجعل الدولة للإسلام والجولة للإسلام، كما نصر الله عز وجل داود وسليمان عليهما السلام كما قال سبحانه: وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ [البقرة:251] ، وقال عز وجل: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ ءاتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا [الأنبياء:79] ، فجمع الله عز وجل لهذين النبيين الكريمين بين النبوة والحكم والملك العظيم.
وكذلك موسى عليه السلام نصره الله على فرعونَ وقومه وأظهر الدين في حياته، كما قال سبحانه: وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ [الأعراف:137] .
أما نبينا محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم فقد نصره الله نصرًا مؤزرًا، فما فارق النبي الدنيا حتى أقرّ الله عز وجل عينه بالنصر المبين، والعز والتمكين، بل جعل الله عز وجل النصر ودخول الناس في دين الله أفواجًا علامة قربِ أجل النبي فقال تعالى: إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ اللَّهِ أَفْواجًا فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوبَا [سورة النصر] ، فما فارق النبي الدنيا حتى حكم الإسلام جزيرة العرب، ثم فتح تلامذته من بعده البلاد شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، حتى استنارَ أكثرُ
(1) - صحيح البخارى ( 36 )
(2) - صحيح البخارى ( 2801 ) وصحيح مسلم ( 5026)